أصحــــــاب الـــــرسّ

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً [ الفرقان : 38 ]

قال ابن عباس : سألت كعباً عن أصحاب الرس قال : صاحب ” يس ” الذي قال : ” يا قوم اتبعوا المرسلين ” [ يس : 20 ] قتله قومه ورسوه في بئر لهم يقال لها الرس طرحوه فيها ، وكذا قال مقاتل . السدي : هم أصحاب قصة ( يس ) أهل أنطاكية ، والرس بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيباً النجار مؤمن آل ” يس ” فنسبوا إليها . وقال علي رضي الله عنه : هم قوم كانوا يعبدون شجرة صنوبر فدعا عليهم نبيهم ، وكان من ولد يهوذا ، فيبست الشجرة فقتلوه ورسوه في البئر ، فأظلتهم سحابة سوداء فأحرقتهم .

وقال ابن عباس : هم قوم بأذربيجان قتلوا أنبياء فجفت أشجارهم وزروعهم فماتوا جوعاً وعطشاً . وقال وهب بن منبه : كانوا أهل بئر يقعدون عليها وأصحاب مواشي ، وكانوا يعبدون الأصنام ، فأرسل الله إليهم شعيباً فكذبوه وآذوه ، وتمادوا على كفرهم وطغيانهم ، فبينما هم حول البئر في منازلهم انهارت بهم وبديارهم ، فخسف الله بهم فهلكوا جميعاً . وقال قتادة : أصحاب الرس وأصحاب الأيكة أمتان أرسل الله إليهما شعيباً فكذبوه فعذبهما الله بعذابين .

قال قتادة : والرس قرية بفلج اليمامة استمر في القراءة

Advertisements

فـِرْعَوْنُ ذو الأوتادِ

 أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ [ ص : 12 ]

وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ  [ الفجر : 10]

تفسير قوله تعالى : ” كذبت قبلهم قوم نوح ” ذكرها تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم وتسلية له ، أي هؤلاء من قومك يا محمد جند من الأحزاب المتقدمين الذين تحزبوا على أنبيائهم ، وقد كانوا أقوى من هؤلاء فأهلكوا . وذكر الله تعالى القوم بلفظ التأنيث ، واختلف أهل العربية في ذلك على قولين : أحدهما -أنه قد يجوز فيه التذكير والتأنيث . الثاني – أنه مذكر اللفظ لا يجوز تأنيثه ، إلا أن يقع المعنى على العشيرة والقبيلة ، فيغلب في اللفظ حكم المعنى المضمر تنبيهاً عليه ، كقوله تعالى : ” كلا إنها تذكرة * فمن شاء ذكره ” [ عبس : 11 -12 ] ولم يقل ذكرها ، لأنه لما كان المضمر فيه مذكراً ذكره ، وإن كان اللفظ مقتضياً للتأنيث . ووصف فرعون بأنه ذو الأوتاد . وقد اختلف في تأويل ذلك ، فقال ابن عباس : المعنى ذو البناء المحكم . وقال الضحاك كان كثير البنيان ، والبنيان يسمى أوتاداً . وعن ابن عباس أيضاً و قتادة و عطاء : أنه كان له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب له عليها . وعن الضحاك أيضاً : ذو القوة والبطش . وقال الكلبي و مقاتل كان يعذب الناس بالأوتاد وكان إذا غضب على أحد مده مستلقياً بين أربعة أوتاد في الأرض ، ويرسل عليه العقارب والحيات حتى يموت . وقيل : كان يشبح المعذب بين أربعة سوار . كل طرف من أطرافه إلى سارية مضروب فيه وتد من حديد ويتركه حتى يموت . وقيل : ذو الأوتاد أي ذو الجنود الكثيرة فسميت الجنود أوتاداً ، لأنهم يقوون أمره كما يقوي الوتد البيت . وقال ابن قتيبة : العرب تقول هم في عز ثابت الأوتاد ، يريدون دائماً شديداً . فأصل هذا أن البيت من بيوت الشعر إنما يثبت ويقوم بالأوتاد . قال الأسود بن يعفر :

ولقد غنى فيها بإنعم عيشة في ظل ملك ثابت الأوتاد

و واحد الأوتاد وتد بالكسر ، وبالفتح لغة . وقال الأصمعي يقال وتد واتد كما يقال : شغل شاغل . وأنشد :

لاقت على الماء جذيلا واتداً ولم يكن يخلفها المواعدا

قال : شبه الرجل بالجذل .

يقول تعالى مخبراً عن هؤلاء القرون الماضية وما حل بهم من العذاب والنكال والنقمات في مخالفة الرسل وتكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقد تقدمت قصصهم مبسوطة في أماكن متعددة وقوله تعالى: ” أولئك الأحزاب” أي كانوا أكثر منكم وأشد قوة وأكثر أموالاً وأولاداً فما دفع ذلك عنهم من عذاب الله من شيء لما جاء أمر ربك ولهذا قال عز وجل: ” إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب ” فجعل علة إهلاكهم هو تكذيبهم بالرسل فليحذر المخاطبون من ذلك أشد الحذر.

وقوله تعالى : ” وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق” قال مالك عن زيد بن أسلم : أي ليس لها مثنوية أي ما ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها أي فقد اقتربت ودنت وأزفت وهذه الصيحة هي نفخة الفزع التي يأمر الله تعالى إسرافيل أن يطولها فلا يبقى أحد من أهل السموات والأرض إلا فزع إلا من استثنى الله عز وجل.

وقوله جل جلاله : “وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب” هذا إنكار من الله تعالى على المشركين في دعائهم على أنفسهم بتعجيل العذاب فإن القط هو الكتاب وقيل هو الحظ والنصيب. قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد والضحاك والحسن وغير واحد سألوا تعجيل العذاب, زاد قتادة كما قالوا ” اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم” وقيل سألوا تعجيل نصيبهم من الجنة إن كانت موجودة ليلقوا ذاك في الدنيا وإنما خرج هذا منهم مخرج الاستبعاد والتكذيب. وقال ابن جرير سألوا تعجيل ما يستحقونه من الخير أو الشر في الدنيا وهذا الذي قاله جيد وعليه يدور كلام الضحاك وإسماعيل بن أبي خالد والله أعلم. ولما كان هذا الكلام منهم على وجه الاستهزاء والاستبعاد. قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم آمراً له بالصبر على أذاهم ومبشراً له على صبره بالعاقبة والنصر والظفر.

يقول تعالى ذكره : كذبت قبل هؤلاء المشركين من قريش ، القائلين : أجعل الآلهة إلهاً واحداً، رسلها ، قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد.

واختلف أهل العلم في السبب الذي من أجله قيل لفرعون ذو الأوتاد، فقال بعضهم : قيل ذلك له لأنه كانت له ملاعب من أوتاد، يلعب له عليها.

ذكر من قال ذلك:

حدثت عن علي بن الهيثم ، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس “وفرعون ذي الأوتاد” قال : كانت ملاعب يلعب له تحتها.

حدثنا بشر، قال : ثنا يزيد، قال : ثنا سعيد، عن قتادة، قوله “وفرعون ذو الأوتاد” قال : كان له أوتاد وأرسان ، وملاعب يلعب له عليها.

وقال آخرون : بل قيل ذلك له كذلك لتعذيبه الناس بالأوتاد.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قول “ذو الأوتاد” قال : كان يعذب الناس بالأوتاد، يعذبهم بأربعة أوتاد، ثم يرفع صخرة تمد بالحبال ، ثم تلقى عليه فتشدخه . .

حدثت عن علي بن الهيثم ، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس ، قال : كان يعذب الناس بالأوتاد.

وقال آخرون : معنى ذلك : ذو البنيان ، قالوا : والبنيان : هو الأوتاد.

ذكر من قال ذلك:

حدثت عن المحاربي ، عن جويبر، عن الضحاك “ذو الأوتاد” قال : ذو البنيان . ، وأشبه الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : عني بذلك الأوتاد، إما لتعذيب الناس ، وإما للعب ، كان يلعب له بها، وذلك أن ذلك هو المعروف من معنى الأوتاد. وثمود وقوم لوط ، وقد ذكرنا أخبار كل هو علاء فيما مضى قبل من كتابنا هذا.

**********************************

تفسير  قوله تعالى :” وفرعون ذي الأوتاد ” أي الجنود والعساكر والجموع والجيوش التي تشد ملكه، قاله ابن عباس. وقيل : كان يعذب الناس بالأوتاد، ويشدهم بها إلى ان يموتوا، تجبراً منه وعتواً. وهكذا فعل بامرأته آسية وماشطة ابنته، حسب ما تقدم في آخر سورة (التحريم). وقال عبد الرحمن بن زيد: كانت له صخرة ترفع بالبكرات، ثم يؤخذ الإنسان فتوتد له أوتاد الحديد، ثم يرسل تلك الصخرة عليه فتشدخه. وقد مضى في سورة (ص) من ذكر أوتاده ما فيه كفاية. والحمدلله .

وقال آخرون : بل قيل له ذلك لأنه كان يوتد الناس بالأوتاد .

ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جيعاً ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله ” ذي الأوتاد ” قال : كان يوتد الناس بالأوتاد .

وقال آخرون : كانت مظال وملاعب يلعب له تحتها .

ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ” وفرعون ذي الأوتاد ” ذكر لنا أنها كانت ظال وملاعب يلعب له تحتها ، من أوتاد وحبال .

حدثنا ابن ابي عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر عن قتادة ” ذي الأوتاد ” قال : ذي البناء كانت مظال يلعب له تحتها ، وأوتاداً تضرب له .

قال : ثنا ابن ثور عن معمر عن ثابت البناني ، عن أبي رافع ، قال : أوتد فرعون لامرأته أرعة أوتاد ، ثم جعل على ظهرها رحا عظيمة حتى ماتت .

ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران عن سفيان عن إسماعيل عن محمود عن سعيد بن جبير ” وفرعون ذي الأوتاد ” قال : كان يجعل رجلاً هاهنا ورجلاً هاهنا ، ويداً هاهنا ، وبالأوتاد .

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، ثنا عيسى ، حدثني الحارث قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعاً ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، قوله ” ذي الأوتاد ” قال : كان يوتد الناس بالأوتاد .

وقال آخرون : إنما قيل ذلك لأنه كان له بنيان يعذب الناس عليه .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن إسماعيل ، عن رجل ، عن سعيد بن جبير ” وفرعون ذي الأوتاد ” قال : كان له منارات يعذبهم عليها .

وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب ، قول من قال : عني بذلك : الأوتاد التي توتد من خشب كانت أو حديد ، لأن ذلك هو المعروف من معاني الأوتاد ووصف بذلك ، لأنه إما أن يكون كان يعذب الناس بها ، كما قال أبو رافع و سعيد بن جبير ، وإما أن يكون كان يلعب له بها .

المصدر : ابن كثير , الطبري , القرطبي .