إدارة شؤون … الـصِِيـّصان …. ؟!


 

222222

 

.. هكذا تُدار المزارع يا بني .. إياك .. ثمّ إياك أن تسمح للصيصان بالخروج من أقفاصها قبل أن تُـفقدها صَوابها و تجعلها .. لا تعرف يمينها من شمالها ..

إستيقظ دهموش ابن الشيخ دعيسان الساطع صباح ذلك اليوم و كله سعادة و فرح …. لقد أصبحت رجلاً .. هكذا قال مخاطباً نفسه بعد أن شاهد بضعُ زُغيبات تنمو فوق شفته العليا … يتابع مخاطباً نفسه , و قبل أن يزيح اللّحاف السّميك من فوق جسده الممتلئ … قريباً سيكون ليّ شارب ضخماً مثل شارب والدي … يقف عليه النسر .

قفز بنشاط من فراشه .. ليغسل بعدها وجهه على عُجالة و يتابع نحو المطبخ حيث إعتادت والدته تجلس في مثل هذا الوقت بإنتظار تقاطر أبناءها لتناول طعام الإفطار .. أراها بعثرات شاربه الذي يستعد للنهوض باسماً , ثمّ أخذ يزدري ما على طاولة الإفطار نهماً دون هوادة … ثم غادر حتى قبل أن يتوقف فمه عن المضغ و العلك و اللتّ و العجّن .

أين والدي .. ؟؟ سأل سائس الخيل الذي أشار له بأنه في الجهة الأخرى من القرية المترامية التي يملكها والده الشيخ دعيسان الساطع , تجده هناك حيث تقع حظائر البهائم و الطيور ..

في طريقه .. حيث كانت الفرس تئن تحت رزح حملها الثقيل و تفزع بين الحين و الآخر من أصوات العيارات النارية التي تشق عنان الصمت من جراء ممارسة هذا الشقي لهوايته المفضلة و هي التدرب على إطلاق النار من بندقية الصيد التي يحملها دوماً .. كانت أهدافه المعتادة كل ما يتحرك من حيوان يسير أو طير يطير .. عابرٌ أم داجن يخص في ملكه أحد الفلاحين القاطنين على جانبي طريق المؤدي إلى حظائر والده …. كانت ترافقه إينما سار أو مـّر و حّل , سيلٌ من لعنات الفلاحين و الدعاء متضرعين بقرب الفرج والتخلص منه و من جميع أفراد عائلته البغيضة , تكثر اللعنات و يزيد الدعاء كلما سقطت بقرة أو حمار أو نعجة مضرجة بدمها من تصرفات هذا الأرعن المعتوه .. التي يقابلها عادة بضحك عالِ و قهقهة كأنها خوار بقرة …. أو رغاء بعير .

***********************

أبي انظر …. لقد نبت شاربي .. قالها قبل أن يقفز من فوق ظهر فرسه .. الذي صهل فرحاً بإنزياح هذا الحمل الثقيل عنه …

تلقاه والده فرحاً مبتسماً … قبل أن تصل قدماه الأرض .. فهو رغم ضخامته إلاّ أن والده يفوقه ضخامة بكثير … ولدي العزيز .. أهلاً بك و بشاربيك .. ثم قبله من بين عينيه ..

أبي .. أريدك أن تـّفي بوعدكً ليّ ؟!

و بماذا وعدتك يا بنيّ …. قالها ضحكاً .. مُعجباً بأوسط ذريته من الذكور

وعدتني .. بأن أستلم زمام الأمور في المزرعة .. حالما أصبح رجلاً , الآن قد أصبحت رجلاً … انظر إلى شاربي

ضحك والده حتى كاد .. أن يقع على ظهره … ثم حضن إبنه و قال : لازال الوقت باكراً لتقود المزرعة يا بني … أن تكون رجل بشارب ٍشيء , و أن تصبح مديراً للمزرعة شيء آخر ..

لكنك وعدتني يا أبي … قالها مُحتجاً .. و لقد أتقنت جميع الأعمال التي تقوم بها .. فاأنا أجيد إستخدام السوط , فهو لا ينزل عن ظهر الفلاحين بمناسبة أو من دون مناسبة كما علّمتني .. يخشوني الآن رغم صغر سني .. أصبحت أجيد إطلاق النار , و أن أصيب بقرة فلاح أو عنزته من مسافة بعيدة , أعرف مواعيد السقاية و الحصاد .. ماذا تبقى غير ذلك ..

.. يا بنيّ قيادة شؤون المزرعة تحتاج إلى حِنكة و دراية و تمرس و حذاقة .. و ليس بالقوة و التمكن من إطلاق النار تُدار المزارع يا بنيّ…

لم أفهمك يا والدي .. كيف ذلك ؟! ..

تعال معي … قال والده بعد أن سحبه من يده بلطف نحو حظيرة الدجاج … ثمّ أشار نحو قفص كبير يحتوي على مجموعة كبيرة من الصيصان الصغيرة … إحمله و ألحقني ..تواً فعل الولد ما أشار إليه والده … الذي أخذه إلى غرفة جانبية خالية … و قال :

أطلقْ سراح الصيصان !!!

فعل الولد … أخذت الصيصان تجري في إتجاه وحدب و صوب ..

تابع الأب .. الآن : إذا إستطعت أن تجمعها خلال ساعتين .. سأجعلك تدير المزرعة .. و إلآّ فلا .. إذ ينبغي عليك الإنتظار !!!!

أخذ الولد يجري خلف الصيصان , و هي تهرب من أمامه , و من خلفه و بين رجليه و بطش حذائه الضخم , لم يستطع الإمساك بأي منها … مرت الساعتين , الولد يجري و يهلث حتى كاد أن ينقطع نفسه و الأب يضحك بقوة حتى طفرت الدموع من عينيه .. و هو يشير لأبنه ساخراً .. خلفك .. هناك صوص قريب .. أمسكه .. لا.. لا.. لا على يمينك .. أصبح على يسارك و الولد يجري كالثور الهائج .. خلف قماش أحمر .. بلا طائل … لم يستطع إمساكِ أيٍ منها و إعادته إلى القفص .. إنهار و جلس متكئاً على القفص الفارغ معلناً إستسلامه ..

***********************

بعد أن إلتقط أنفاسه و إنتظمت دقات قلبه … قال لوالده متحدياً … حتى أنت لا تستطيع جمع الصيصان بعد إطلاق سراحها !! ..

قال الأب الذي لم يتوفق عن الضحك … بل استطيع .. بل استطيع … لذا أنا من يقود المزرعة ..

الولد متسائلاً و كيف ذلك ؟؟؟

حسناً .. إفتح باب الغرفة و دع الصيصان تخرج جميعها بإتجاه الحظيرة … و أحضّر قفص آخر مملؤ بالصيصان عن آخره و تعال …

فعل الولد .. و وضع القفص بين يدي والده .. و إتجه صوب باب الغرفة ليغلقه ….

إلى أين ذاهبٌ أنت يا بنيّ ؟

لأغلق الباب يا والدي .. حتى لا تهرب الصيصان إلى الخارج ؟؟

الأب … و دون أن يتوقف عن الضحك .. لن تهرب .. لن تهرب … دعه مفتوحاً لأثبت لك .. بأن لوالدك من الحنكة و الدراية بكثير , بحيث أنه سيجمع الصيصان بعد إطلاق سراحها و دون أن يغادر أي منها باب الغرفة ….

أخذ الأب القفص بين يديه الضخمتان ثمّ أخذ يؤرجح القفص يميناً و شمالاً و يقلبه رأساً على عقب .. ثم يعود و يؤرجحه … بقّي على هذا الحال عدة دقائق .. ثمّ فتح القفص و رمى محتواه من الصيصان على أرضية الغرفة .. و عاد خطوتين إلى الوراء .

أخذت الصيصان تمشى و كأنها سكارى .. ما أن تخطو خطوتين حتى تقع على أم منقارها .. و بعضها لم يستطع الوقف أصلاً .. إذ أن الأرجحة و التدوير و القلبْ .. جعلها تفقد توازنها و لا تعّي ما يدور حولها …

قام الأب .. و جمع الصيصان بسرعة و أعادها إلى القفص دون أن ينقص منها و لا صوصٌ واحد .. ثم أعاد إغلاقه بإحكام …. و وضع قدمه اليسرى عليه ناظراً إلى إبنه نظرة المنتصر … و قال بلهجة الظافر .. هكذا تُدار المزارع يا بني .. إياك .. ثمّ إياك أن تسمح للصيصان بالخروج من أقفاصها قبل أن تفقدها صوابها و تجعلها .. لا تعرف يمينها من شمالها .. و إلاّ لن تستطيع جمعها , و ردها إلى أقفاصها لتبيعها أو تـُسمِنُها لتأكل من لحمها فيما بعد …. و هذا درسيّ الأول لك …. عن كيفية إدارة المزاع ….

(( لدروس الصيصان ….. بقية ))

Dr . Walid Sham

الصورة

Advertisements

5 تعليقات على “إدارة شؤون … الـصِِيـّصان …. ؟!

  1. يبدو ان معمر لم يحسن هز القفص جيداً و كذلك حسني و زين العابدين في حين اجاد الاخرون ذلك و ندعو لاولئك الذين تم هز قفصهم بقوة ان يعود لهم توزانهم و يزول عنهم الدوار الدهليزي ليستطيعوا مغادرة المزرعة .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s