ثورة … الحمير


 

donkey2

إستيقظ الحمار ” حمروش ” صبيحة ذلك اليوم متأخراً , و ليس كعادته المعهودة منذ أن كان كرًّ صغيراً يعيش في كنف والديه ..

قام متثاقلاً في مشيته غير آبه بشيءٍ مما يدور حوله من همهمة الحمير الذين يشاركونه ذات الأسطبل متسائلين عن سر تأخره في الإستيقاظ .

يقول ” حمروش ” مخاطباً نفسه : ما هذا المزاج السيء الذي يعتيرني في هذا الصباح المشرق .. هل هو كابوس مّر بي و نسيته .. أما نفسي التي ضاقت ذرعاً بكل ما هو حولي … يهمهم .. الثانية هي الأصّدق .. قالها ثمّ رفس وعاء البرسيم بقائمته الأمامية بكل ما أوتي من قوة .. لدرجة أن الوعاء إصطدم بسقف الحظيرة ليعود و يسقط غير بعيد عنه .. جفلت جموع الحمير من تصرف ” حمروش ” المُتمرد ,متعجبة بذات الوقت من قوة قائمته الأمامية التي لم يلحظوها من قبل … بل حتى هو نفسه تعجب من إمتلاكه لهذه القوة ..

للمرة الأولى يشعر ” حمروش ” بضيق الحظيرة و ظلمتها .. رغم سعتها النسبية , و إضاءتها المتسللة عبر الشقوق الكثيرة في الجدران التي إعتادت أن تسمح لشمس الصباح بالتسلل رغم محاولات صاحب المزرعة الكثيرة و المتواصلة بإغلاقها و كبح جِماح نور الشمس بالدخول كلما سنحت له فرصة .. أو مناسبة .

 

” حمروش ” معجبٌ بقوته التي لم يشعر بها إلاّ منذ لحظات … تماماً بعد رفسه لوعاء البرسيم .. لذا تابعت قوائمه الأمامية تمردها فرفس جردل الماء الصدئ فالحقه بزميله وعاء البرسيم بل تجاوزه محدثاً جلبة عظيمة , جعلت بقية الحمير تنظر إليه بإعجاب و فخار … أراد أن تصفق له .. كما يفعل البشر .. لكنها عجزت فإستبدلتها بنهيق تعالى صداه حتى لامس الأفق ….

إتجه ” حمروش ” صوب باب الزريبة الكبير و المتهالك فإستدار أمامه موجه له مؤخرته النزقة و رفسه بكلتا قائمتيه الخلفيتين .. فأطاح به من الضربة الأولى فكاد أن يسقط على حظيرة الدجاج الصغيرة فيهشمها . لكنه أخطئها ليسقط على جدراها محطماً إياه تاركاً ثغرة تسمح للديكة و الدجاج بالخروج إلى الفسحة و الهواء الطلق بعيداً عن جو حظيرتها المنتن الرائحة و كريهها .

********************************

جال ” حمروش ” ببصره على أطراف المزرعة الأربعة .. إنها المرة الأولى التي ينظر فيها من حوله حراً و بكامل إرادته دون عصا صاحبه أو سوطه … إستنشق هواء الصباح العليل ملئ رئتيه ثم زفره ناراً حارقة , لو وقعت على عشب يابس لأحرقته و جعلته و المزرعة هشيماً تذروه الرياح .

لم يخّف غضبه , بل زاد حدة إذ عادت به الذاكرة عندما كان كـّرً صغيراً يلعب و يجول في أنحاء المزرعة , قبل أن يفطن إليه أبناء صاحب المزرعة فجعلوا منه ألعوبتهم المفضلة و خاصة بعد غياب أمه التي لم تنفك في تقديم الخدمات المضنية لصاحبها …

اللعنة على أبناء صاحب المزرعة .. خاطب نفسه بغضب … لقد أذاقوني الويلات منذ الصغر .. كانوا يعتلون ظهري الضعيف بلا رحمة و يجرونني من ذيلي أو أذني حتى كادوا ذات مرة أن يخلعوها من مكانها .. إلى الآن و رغم مرور سنين طوال , لم أستعد السمع بها جيداً … يا لهم من سفلة صغار و منذ طفولتهم … كانوا يربطون جرزة العشب بحبل طويل و يدعوني أجري خلفها طوال النهار حتى ينال منهم التعب فيرمون ماتبقى منها في كومة الزبل متقصدين ذلك ثمّ يصعدوا ليتناولوا من لحوم الدجاج و الخراف التي تحضرها لهم أمهم الشريرة الكبيرة التي لم تكن بأقل منهم قسوة ظلم .

********************************

كان صباح شتوياً ممطراً .. عندما إستيقظ ” حمروش ” ذات يوم ليجد أمه مازالت نائمة على غير عادتها .. حاول يوقظها بلعق وجهها … بلا فائدة لم تستجب .. كان وجهها بارداً كالصقيع .. غير بعيد وقف والده الذي كان يعّي ما حدث لزوجته .. وقف حزيناً باكياً .. لا يقوى على شيء … ليدخل صاحب المزرعة و يكتشف ما حدث لها , لقد نفقت لكثرة ما عانت من حِمل و جّر لموارد المزرعة و خيراتها دون أن تنال قسط من راحة أو غذاء كاف ..

دون رحمة قام بربطها بحبل غليظ مربوط بالجهة الأخرى بعنق والده ثمّ أخذ بضربه بسوطه اللاسع حاثاً إياه على جرها … ففعل والده تحت رزح الضربات المؤلمة , كانت أشد لحظات حياة والده قسوة و ألم … كيف لا .. و هو يجرّ شريكة عمره بنفسه حتى أطراف القرية ليتركها جيفة للكلاب الشاردة و ديدان الأرض , ثم يعود ليقوم بعمله و عملها في مزرعة ذلك اللئيم .

لم يدم الأمر طويلاً إذ سرعان ما لحقها والده بعد أن أنقصم ظهره تحت رزح حمل كبير من الشعير كان متجهاً به نحو طاحونة القرية ….

بذات الطريقة قام ” حمروش ” بجرّ والده إلى ذات المكان … فالتاريخ يعيد نفسه … تذكر ” حمروش ” كل ذلك قبل وصول صاحب المزرعة إليه ليرى سبب الجلبة و خلعه لباب الحظيرة …

أنا أنقل الماء .. أحمل القمح و أرجع به طحيناً ليزداد صاحب المزرعة سمنة على سمنة , هو و زوجه و أولاده السفلة .. و في المساء بالكاد أن أحصل على حفنة شعير أو جردل ماء ..

أنا أحمل صاحب المزرعة في رواحه و مجيئه و جولاته على القرى المجاورة … أنا لعبة أطفاله الأشقياء .. و دريئة حجارتهم .. و حامل مسروقات زوجته من المزرعة و التي تخبئها عند اختها الساكنة في الجهة الأخرى من المزرعة … تلك اللصة الحقيرة .. كانت تسرق معظم ما ينتجه زوجها السارق  تعب الفلاحين هو الآخر . عدا أنه يخلط القمح بالتراب .. ربما البشر لا يعرفون ذلك لكنني و بحسب خبرتي أفرّق جيداً بين وزن القمح و وزن التراب .. تباً لكلاهما … كلاهما لص حقير .. حتى لو قُدّر لّي الكلام بلغة البشر ما أخبرت صاحب المزرعة الوغد عن سرقات زوجته …. فهو سافل لا يستحق الولاء .

********************************

كانت بقية الحمير قد إنتشرت في أنحاء المزرعة , فقام أحدها بإختبار قوته على باب حظيرة الأغنام , فأردى بابها بحافريه الغاضبة لتخرج التيوسّ يتقدمها التيسّ المتمرد دائماً ” صلبوخ ” إنه تيسّ متمرد منذ نعومة حوافره .

كان الكلب ” طقعان ” أول الواصلين .. إتجه صوب ” حمروش كالسهم و هو ينبح على غير هدى . ” حمروش ” لم يحرك ساكناً و لم يجري بإتجاه حظيرته كما توقع و إعتاد الكلب ” طقعان ” .. مما سبب مفاجئة كبيرة و حيرة عظيمة له . إلتفت ” حمروش ” نحوه ببطء شديد , ثمّ أدار له مؤخرته و قبل أن يدرك ” طقعان ” الكلب ما يضمرّ له “حمروش ”  كان يطير في الهواء إثر ( رفسة ) نجلاء رمت به في وسط كومة كبيرة من الزبل و روث الأبقار الرطب , كانت رفسة تحمل غل سنين و عامات .. غل متكوم في صدر ” حمروش ” من هذا الكلب المنافق .. الذي لا ينبح إلاّ على حيوانات المزرعة , فإذا خرج برفقة الراعي و الأغنام تراه يهرب عند سماعه حتى لنباح جرو كلب الشاردة و حتى أصوات العصافير المغردة تخيفه … فما بالكم بعواء الذئاب القادم من خلف الجبال .

أراد ” طقعان ” الكلب أن يقوم من مرقده .. فخذلته قدماه خوفاً قبل أن يكون ألما , نهض بصعوبة ليجد ” حمروش ” و قد أصبح بجواره تماماً … بجانبه كانت عيون التيسّ ” صلبوخ ” تقدح شرراً … أنه يوم الثأر … قال ” صلبوخ ” ذلك التيسّ … الجامح

إسمع أيها الكلب المنافق … قال ” حمروش ” المتمرد :

منذ نشئت الخليقة الأولى … و الحمير قادة القطعان … نعم نسير بصمت و صبر و لكننا نتحمل لأجل الأغنام حتى لا تفقد إتجاهها … بل حتى الجِمال و رغم ضخامتها … تسير خلف حكمتنا و صبرنا ….

و منذ بدء الخليقة .. و الكلاب و أنت أولهم .. تنبح بمناسبة و بغير مناسبة , و غالباً بغير مناسبة .. مكانك الخلف دوماً … خلف القطيع .. خلف صاحبك .. خلف حتى الحمير .. لا بد و أن رائحة مؤخرات النعاج التي لا تبعد عنها أنفك .. قد أصابت عقلك بلوثة جعلتك تعتقد بأنك السيد فعلاً … لا أيها الكلب .. فالكلب .. كلب .. و لو طوقه من ذهب .. هكذا سمعت من أحد أبناء البشر …

دُهش ” طقعان ” الكلب لما سمع , حاول أن ينبح ليرد على منطق الحمار .. لكن حباله الصوتية خانته هي الأخرى فلم يخرج منه سوى همهمة كهمهمة جراء القطط … إستجمع قواه و حاول النباح مرة أخرى …. بلا فائدة .. لم تتسنى له فرصة لمحاولة أخرى إذ إحتضنته قرون التيس ” صلبوخ ” بعنف أودعته في كومة الزبل حتى أذنيه ….

هذا مكانك الطبيعي أيها الكلب النجسّ .. إياك و أن تخرج رأسك منه قال التيسّ ” صلبوخ ” بغضب … هزَّ الكلب ” طقعان ” ذيله إلى الأعلى و الأسفل علامة الخضوع و الموافقة و التسليم بلغة الكلاب …. لكن للتيوسّ مفهوم آخر و مصطلحات أخرى لهزّ الذيول .. إذ ترجمها ” صلبوخ ” كعلامة تحدي و عناد .. فالحقَ النطحة الأولى بأخت لها أشد منها قوة , جعلت الكلب ” طقعان ” ينغرس في كومة الزبل حتى قائمتيه الخلفيتين … فلم يتحرك ذيله و لا أي جزء آخر من جسمه من ساعتها و إلى الآن .

********************************

حارس المزرعة .. الإنسان ” دعبوس ” إستيقظ هو الآخر على الضجيج .. فلمّا رأى الفوضى و الخراب و تمرد حيوانات المزرعة … سارع إلى المخزن و قام بسرقة كل ما إستطاع حمله من زيت و سمن و عدس و دقيق … ثمّ رمى القنديل المعلق على جدار المخزن حتى يحرق المخزن و يموه على سرقته … لم ينسى في طريقه أن يضع في عبّه دجاجة كاد أن يطأها بقدميه أثناء خروجه مسرعاً لا يلوي على شيء .

أما صاحب المزرعة الذي خرج بلباس نومه … تملكه الرعب الشديد , خاصة و أنه قد رأى بأم العين ما حدث لكبير حراسه … الكلب ” طقعان ” فلملم نفسه و أولاده و زوجه على عجل مغاداراً المزرعة حافي القدمين … دون أن يأخذ معه إلاّ ما يستر عورته و أفراد أسرته ….. و صّرة صغيرة فيها بعض النقود الذهبية

********************************

صبيحة اليوم التالي … كانت الطيور السماوية و الزرقاء تملء الأفق ” زقزقة ” تخبر الحمير في المزارع المجاورة عمّا حدث في هذه المزرعة … فعلا نهيق الحمير في كل المزارع حتى بلغ صوتها عنان السماء بل كاد أن يشق القمر ..

(( للحمير ….. بقيةّ .. عفواً …. للحديث بقية ؟؟!! ))

 

Dr.Walid Sham

Advertisements

6 تعليقات على “ثورة … الحمير

  1. كنت اتوقع ردك على ما يحدث على مقربة منا .. ربما ايقن هذا الحمار ان الحرية تبدا كقيم في الذات قبل ان تتجسد في ارض الواقع …اقتباس .. وقف حبر قلمي امام ابداع قلمك الراقي فلا املك من الكلمات ما يوفيك حقك من التالق والابداع الا سلمت يمينا نثرت فابدعت

    الان قد احس حمروش بطعم اخر للحياة لم يعرفه من قبل ولم يعرف ان الحياة شيء مختلف تماما عما كان يعتقد او يصور له !!

  2. مااخد معو كتير غراض لانو باقي مصرياتو ببنوك سويسرا

    كان الحل دوما في جيوبنا ونسيناه ثلاثين سنة تخيل ؟؟ بس مصير الحي يتلاقى
    جميل وليد كالعادة

  3. والله حطيت ايدك عل جرح يا دكتور

    لذلك تهنئة كبيرة لكل شعوب المحبة للحرية
    واقول لهم كما قال الشاعر:

    ايها الشعب ثر بجلادك الوغد وهيا بنا نقد الاسارا

    انت دنيا اذا تحفزت مادت تحتك الارض خشية واندعارا

    سلبونا رغيفنا فطلبناه فكنا في زعمهم اشرارا

    فتكتل وانهض كما نهض السيل وفجر في شرقا الاعصارا

    ايه ياشعب ثر بهم ولاتطآ طئ بلغ الصبر افقه واستجارا

    لن نكون العبيد ان لنا الدنياسنمضي في شوطها احرارا .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s