ناديا … و أبناء الشمس ( 2 )


 

51881.imgcache

كما و البارحة … لازال الطقس بارداً , ربما اليوم هو أشد برودة … ذاتُ نسمات الصباح .. همست ليّ .. لتخبرني بذلك . إتجهت صّوب المبنى بتؤدة و ليس جرياً كما البارحة ….

صالة الإستقبال خالية , و كذلك غرفتي …. التي لازالت متمسكة بذات البرد … وضعت حقيبتي و كتابٌ كنت أحمله برفقة دفتر مذكراتي .. وضعتهم جميعاً على منضدتي , مغادراً بإتجاه الحديقة الخلفية للمبنى بجولة روتينية أقوم بها كل صباح … هي ليست حديقة حقيقةً ؟! .. بل هي جزءٌ من الصحراء المسيطرة على المنطقة , لكنها مُحاطة بسور إسمنتي .. كـ حرم للمركز الصحيّ … تبعثرت فيها بعض أشجار الزيتون و أصناف أخرى جاد بها بعض محبّي الأشجار من هنا و هناك .. جميعهن غًرسّنَ من قبلي و زملائي بأيدينا حُبّا و طوعاً …

إنتبهت بأنني لا أشعر بالبرد ؟؟؟؟ بل العكس تماماً , إذ كان الدفئ يغمر كياني تماماً … و قبل أن أفلسف الأمور و أسفسطها كعادتي , بالطبع لنفسي فقط … وقع نظري على حذائي الجلدي السميك … آهأ … وجدتها … ثم أرتقيت بنظري إلى الأعلى نحو بنطالي و معطفي السميك … ثم هززت رأسي … لن يخترقني البرد هذه المرة … نعم عُرف السبب و زال العجب و بَطـُل . جميع ملابسي في هذا اليوم …. {{ ليست من صنع الوطن }} كلها حضرت معي و برفقتي .. لازالت كما لو أنني أشتريتها البارحة … ذات الرونق .. ذات الدفئ .. ذات صدق الحنان .. ذات الوفاء …. لذا لم أشعر بالبرد .. فملابس وطني لم تعد تمنحني الدفئ الذي أريد …… عاش الوطن … دامَ لباس الوطن …

لم أكن يوماً و لن أكون جاحداً لوطني و حبه و ما أعطاني … لكنه الزمان الذي جعل الوطن ( يتقيئ ) أبناءه … و للإنصاف أقول : العلة ليس في الوطن بل .. هم بعض قاطنيه ممن يطلون أنفسهم بطبقة رقيقة من طلاء كالح إصطلحوا عليه تسمية .. أبناءه و مُطوريه و راسميّ خطوط نهضته من تُجار الدين و التين و الطين .. سمعت بأنهم ينسبون أنفسهم لبني البشر … علناً .. و فوق البشر في محافلهم الخاصة . كم أتوق لمحاروة الوطن … لكن الأوطان كما الأديان ( لا تتحاور ) و ( لا تتحارب ) و ( لا تؤذي ) مريديها ….. كل السوء من صنع بني البشر ….. الذين منحوا لأنفسهم صفة الوكلاء الحصريين , و نوابُ رب البشر على أرضه … فعاثوا فيها فساداً بإسم الرب و الوطن ….. إنه مجرد رأئي يجوز عدم صوابه ..

 

%D3%DF%D1%20%CD%C8

أدركتُ ذلك اليوم .. أنه من العبث العمل و العلم بهذا المِزاج العـّكر… قمت من فوري وأعدت المُجهر لمكانه في الخزانة الجدارية و كذلك الشرائح الزجاجية … تاركاً الملفات على المنضدة بجوار النافذة …. غادرت ( ناديا ) و ( فاسيلي ) ذينك العجوزين أصحاب الألقاب العلمية متابعين حديثهم عن توقعات العام القادم .. أبراجياً ؟؟!

غادرتُ بدوري غرفتي متجهاً إلى ( الكافيتريا ) .. الواقعة في المبنى المجاور لذلك الذي أعمل فيه … هي تقع في المبنى الرئيس … في الطابق الأول إلى  جهة اليمين  . و أقصد للقادمِ من الخارج ..

كما دائماً .. ما أن تدخلها حتى تتلقاك رائحة القهوة و الشاي … و مزيج ٌ مؤنسٌ من عطر الصبايا من طبيبات و طالبات الطب , الذي يصدف وجودهن في هذا الوقت من كل يوم … إنها فترة إستراحة الصباح المقدسة .

على الطاولة نفسها و أقصد القابعة في زاوية الصالة البعيدة بجوار الواجهة الزجاجية المُطلة على حديقة المشفى . جلست بلباس عملها الأزرق الفاتح .. و التي ما أن رأتني حتى إبتسمت و أشارت ليّ داعيةّ إياي للإنضمام لها و مشاركها الجلوس في مكانها المُحبب … و كما دائماً و ككل ( شرقي أبيّ )…. فعلت و أجبتّ الدعوة .

كما و معظم بنات جنسها ممنّ هنّ بمثل سنها من بنات بنيّ الأصفر .. ممشوقة القوام .. رشيقة الحركة … لطيفة الكلام و المعشّر …. ما يميزها عنهن … بشرتها المائلة للسمرة … يخترقها عينين واسعتين … خضراوتين ؟؟؟ مزيج غريب قلما شاهدته … كنت ألقبها بالـ شـــاميّة ؟؟؟ و كان أسمها (( ناديا )) أيضاً !! .

أحياناً .. أناديها (( أمل )) هكذا ألفظها و بالعربية … لأن أصل أسمها و كما ذكرت سابقاً (( ناديجدا )) و تعني بلغة أهل الشمال (( الأمل )) ..

تضحك بفرح طفولة عذري كلما سمعت منيّ أي من اللقبين ..

رأيتها أول مرة في العام الماضي .. عندما إلتحقت للعمل قسم تشخيص الأمراض الجرثومية في الطابق الثامن … نلتقي يومين من كل أسبوع في هذا القسم التشخيصي . بقية أيام الأسبوع أقضيها في المبنى المقابل .. أو أتوجه إلى مشفى آخر يقع في الجهة الأخرى من النهر حيث أتابع التدريب على بعض الأجهزة المخبرية المتطورة عندهم .

تُعاني (( ناديا )) و أقصد الصغرى , من حبسة كلامية [ تأتأة ]… فعلى قدر رغبتها للحديث معي .. إلّأ أنه عند نوبة حبس الكلام التي تغافلها … تكاد تضمحلُ خجلاً ً… هذا كان في بداية تعارفنا .. أما و بعد مضي فترة من الزمن .. تغير الأمر قليلاً .. إذ أنني لم أعد أشيح نظري عن عينيها الكاريبيتين … فقط لأسمح لخجلها بالمرور .. بل صّرتُ أشير لها بيدي .. و حاجبّي , بحركات لطيفة مرحة تساعدها على إمتصاصِ نوبة التأتأة الحمقاء و تلافيها …. هكذا … أصبحت تلك النوبات المسّعورة .. مصدر فرح لها و ثقة أكبر بنفسها …. لا أخفيكم سراً .. تلك النوبات تزيدها جمالاً على جمالِ .. لكنني لم أخبرها بذلك .

تجرأتُ .. ذات فنجان قهوة صباحيّ رائق فسئلتها عن سر هذه النوبة ذات الطابع الشرير , و كنت أعتقد حتى تلك اللحظة بأنها ولدتْ معها … قالت :

صيفاً و منذُ عدة سنوات كنتُ أقضي إجازتي مع أسرتي على شاطئي بحر ( الأزوف ) ( 1 ) … و أثناء تجوالي على رمال الشاطئ برفقة أخي الصغير و قطتي , شاهدتُ ( سيرغي ) و هو شاب كانت تربطني به علاقة حب عفيفة .. قبلها بأيام أخبرني أنه مسافر إلى ( إيطاليا ) بحكم عمله كبحّار على متنِ إحدى السفن اليونانية .. و إذ بيّ أشاهده يلعب بكرة الشاطئ مع أعزّ صديقة ليّ … تتابع … وقـْعُ الأمر كان شديدٌ عليّ … فلم أنتبه لكرسي الشاطئ الطويل الرابضُ أمامي فتعثرتُ به و وقعت على مزلجة حديدية مخصصة للعب الأطفال . حيث إرتطم رأسي بها من جهة الخلف … تتنهد بألم … ثمّ تتابع : من يومها .. و أنا أغردُ ّ بهذه الألحان … قالتها مبتسمة …

أدهشتني إبتسامتها و التي زادت إتساعاً و تحولت إلى ضحكة رقيقة و أنا الذي أعددت نفسي لمواساتها … سارعت .. قائلة : كلاهما مُصاب بفيروس ( الإيدز ) الذي نقله لها ( سيرغي ) و شاء القدر … أنني قمت بإجراء التحليل لهما بنفسي و دون قصد …. إنما بحكم عملي

أفضّل أن أكون خرساء … على أن أكون مصابة بهذا المرض الخبيث … إلتفت نحو النافذة الزجاجية أشارت بيدها نحو السماء كمن يودع احداً …. وداعاً ( سيرغي ) … وداعاً ( تانيا) … تمتعوا بما أنتم فيه …. تعود و تنظر إليّ قائلةً : يعتقد الجميع و أقصد من يتحدث معيّ بأنه الخجل هو الذي يعتريني عند هجوم النوبة الحبسية و أبدأ بالتعلثم … أبداً .. هذا ليس صحيحاً … بل هو الخوف من ذلك المصير الذي لقيته صديقتي ( الوفية ) .. و الفرح الذي يغمرني بنجاتي من هدية هذا الـ ( سيرغي ) القاتلة .. …

إلتفتْ نحوي .. لتجد وجهي بلا ملامح و أقربه منه للحزن … سئلتني : أتشفق عليهما ؟

قلت : الحقيقة .. نعم أشفق عليهما … هذا من ناحية ؟؟ و من ناحية أخرى .. نحن المشرقيين لا نشمت بأثنين … الموت … و المرض …. إبتسمت .. و قدّمت ليّ قطعة من كعكة فرنسي وضعتها النادلة أمامها , كانت قد طلبتها لنفسها و كوب كبيراً من الشاي قبل وصولي .. و قالت … المشرقيين … المشرقيين …. أيها السحرة الطيبين ؟! .

لا أحبُ مع القهوة شيئاً يا عزيزتي … لكِ شايكِ و ما معه .. و ليّ قهوتي التي أحبها بلا شريك ؟! .

 

pills3

دخلت العجوز ( حمدة ) الزبونة الدائمة للمركز الصحيّ , جلست قبل أن أشير لها و حسناً فعلت , إذ لا أحب أن ينتظر كبار السن إشارة منيّ للجلوس … و بصراحة و لا غيرهم … إذ لا يأتينا إلا عاجز أو مريض , و كلاهما لا تجب عليه طقوس مجتمعاتنا و برتوكولاته المخملية الزائفة في غالبها ..

تقول : رأسي يؤلمني و عيناي و عنقي و صدري و معدتي و مفاصلي و شهيتي معدومة , مزاجي متقلب دوماً .. أسعل طوال الليل .. و أنهت و ألهث معظم النهار .. و …

قاطعتها قائلاً : حَسبكِ يا جدتي .. توقفي أطال الله عمركِ . لقد حفظتُ جميع شكواكِ عن ظهر قلب .. بل أستطيع تذكرّ ما قد فات من ذاكرتكِ و هرب .. كضعف البصر و السمع .. و خشونة الجلد … و غيرها الكثير …

هل من جديد ؟؟!! قد طرأ ..

أجابت ضاحكة … لا يا بنيّ

حسناً .. من البداية و مثل كل مرة : هل تريدين أن أكتب لكِ مجموعة التحاليل و الصورة التي تعينني و توجهني نحو التشخيص الصحيح , فأكتب لك العلاج الملائم ….. أم مثل كل مرة … مغلف حبوب .. مجاني .. مثل الذي إعتدتي أخذه في كل مرة !!!! و صلى الله و بارك

ذات الإبتسامة الماكرة بطيب …. بل مغلفين إثنين الحبوب و مرهم و قطرة عينية لحفيدتي …. و صلى الله و بارك ؟؟؟

.. غادرت العجوز ( حمدة ).. بما طلبت ليندلق خلفها سيل من المرضى و المراجعين , منهم مثل العجوز ( حمدة ) و كثيرهم بخلاف ذلك .. علا ضجيج المُراجعين و إشتدِ , فأخافوا ( ناديا ) .. التي سرعان ما هربت من سيل ذاكرتي الدافئ مختبئةً خلف.. كعكتها الفرنسية و كوب شايها الساخن و الكثير الكثير من ثلج الشمال النائم خلف زجاج المقهى السميك بعمق قد يمتد لعدة أسابيع أخرى .

Dr. Walid Sham

 

( 1 ) بحر الآزوف : يتصل بالبحر الأسود من جهة الشمال الشرقي تتشارك مياهه روسيا و اوكرانيا.

 

Advertisements

6 تعليقات على “ناديا … و أبناء الشمس ( 2 )

  1. اخذت انتقل ما بين بين ما نحن فيه وما بين ما هم فيه ومرة اخرى ما بين بين المرارة والحلوة ..ما بين بين الحاضر والماضي واخرى … ما بين بين ماض انقضى فلم يعد له وجود ..وحاضر يتحقق فهو في طريقه إلى الانقضاء… ومستقبل لم يتحقق بعد فهو ما يزال يفتقر إلى الوجود …واخرى ما بين بين واخرى واخرى … لابقى عالقا ما بين بين ماض مفقود وحاضر مؤلم ومستقبل مجهول
    مع كل الود والتقدير

    • صديقي يا صاحب القلم الأنيق :
      كتبت تدوينتي متنهداً .. قرأت ردك .. فتنهدتُ أكثر و أكثر … في حفظ الله و رعايته ….
      وداً … بلا إنقطاع ….

  2. إبداع متواصل ,لاينضب ,ماشاء الله تبارك الله………………..مع ناديا الذكريات لها وقع مؤثر يحمل المتناقضات ,الحزن و الفرح, البرد والدفء ,الواقع الأليم و الماضي الجميل
    شكرا من الصميم د.وليد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s