إنه الكلب … يا سعيدان


1234118656

سبقتني في الوصول إلى المركز الصحي , كانت تنتظر بقلق واضح للعيان في صالة الإستقبال , ألقيت عليها تحية الصباح , و أشرت لها بالدخول فوراً . بالفعل ولجّت الغرفة خلفي و معها ابنها عبيدان .

ما القصة يا أم عبيدان .. أراك مبكرة جداً على غير العادة .. عسى أن يكون الأمر خيراً .. أتمنى أنك لم تخّلي بحمية السكر التي وصفتها لكِ .. و صادفتك بعض الأعراض المزعجة ؟!.

أنا بخير يا طبيب .. أحضرت ابني عبيدان لتلقي نظرة على جرحه . البارحة مساءاً كان يلعب قرب منزل عمه سعيدان , ثمّ سمعت من الجيران , أن عبيدان قد جرح نفسه بقطعة من الزجاج كانت مرمية بجوار منزل عمه , الذي سارع بنقله إلى مشفى المدينة بدراجته النارية , حيث قاموا هناك بخياطة الجرح و تضميده .. تتابع : أتمنى عليك أن تكشف على الجرح و تطمئني …

لا يهمك أم عبيدان .. كما ترين لقد حضر ابنك معكِ , لو أن جرحه بليغاً و كان الأمر خطيراً , كما تقولين لأبقوه في المشفى .

عبيدان في العاشرة من العمر , كأغلب الأطفال شقّي , كثير الحركة و الكلام , كان كل يوم يقف على الطريق العام منتظراً مغادرتي .. ليلوحَ ليّ بيده و يصرخ بصوت عالٍ .. مع السلامة طبيب .. فأرد له التحية  بأحسن منها , إذ يرافقها منبه السيارة .. ليتجه إلى منزله و قد ودعّ صديقه الطبيب .

والده يعمل في دولة مجاورة .. هو كبير أمه التي تعمل في أحد الحقول المجاورة لتؤمن لعائلتها لقمة العيش الكريم ريثما يعود زوجها من غربته .

أين جرحك يا عبيدان ؟؟

أطرق رأسه ُ خجلاً , ثمّ إنسل مختبئاً خلف ملابس والدته الفضفاضة …

مابك يا عبيدان.. أتخجل من رجل مثلك .. ألسنا أصدقاء ؟؟

قال بثقة : أنا أستحي من والدتي .. دعها تخرج من الغرفة  !!

ضحكتُ و قلت له حسناً … أخرجي يا أم عبيدان و دعينا نحن الرجال لوحدنا ..

ما أن غادرت والدته حتى أشار بيده نحو مؤخرته بخجل ؟؟؟ هنا الجرح

حسناً يا صديقي سوف تصعد على طاولة الفحص , و تستلقي على بطنك , سأقوم بفحص الجرح .. و أرى إن كان يحتاج لتنظيف و تعقيم أم لا …..

أتعدني بأن لا تستخدم الأبرة , و لا تضع كحول على الجرح ؟؟؟

أعدكَ بالأولى يا عبيدان …. أما الثانية , لا أستطيع أن أعدك مقدماً ..

أنا لا أخاف من الذئب .. لكن أخاف من الأبرة .. فأرجوك لا تستخدمها معيّ

لا يهمك .. عبيدان .. فقط أريد أن أكشف على الجرح .. من أجل تعقيمه … و فقط .

كانت المفاجئة بالنسبة ليّ … إن ما رأيته ليس جرح , و لا يشبه أي جرح .. سواء أكانت بأداة حادة أو غير حادة … هذه أثار أنياب واضحة للعيان على مؤخرة عبيدان و قد فقد جزء من عضلته … بل حتى الأعمى إن تحسسها بأصابعه سيقول بأنها آثار أنياب !!!

عبيدان حبيبي ؟؟؟ هذا ليس جرح ناتج عن ألة حادة أو قطعة زجاج أصابتك عرضاً عندما كنت تلعب كما أخبرتني أمك … صحيح كلامي أم لا !!!

نظر إليّ ببراءة … ثمّ قال : أمي لا تعرف ماذا حدث . أصلاً هيّ لم تكن موجودة في المنزل ؟؟؟ فقط عميّ سعيدان يعرف ما سبب الجرح .

حسناً ستخبرني كيف تسببت بجرح نفسك , كما أخبرت عمك سعيدان ؟؟

ضحك بمّكر دون أن يغير من وضعيته على طاولة الفحص .. لقد أعطاني عمي سعيدان عشرة ليرات ؟؟ حتى لا أخبر أحد بما حدث ليّ ….

حسناً يا عبيدان .. ما رأيك بأن أعطيتك خمسة و عشرون ليرة و تخبرني ماذا حدث !!!

مــَّد يده نحويّ و قال : هات أولاً !!!

تفضّل , فعلاً أعطيته خمسة و عشرون ليرة , على أن يصدقني القول و إلاّ سأستعيد ما أعطيته إياه و سأجعل الممرض يحقنه بأبرة ( كبيرة ) إن لم يقلْ الصدق .. هكذا كان الإتفاق بيننا ..

قال ضاحكاً : لقد عضنيّ كلب عميّ سعيدان !!

يتابع .. أعطاني عشرة ليرات , في المشفى حتى أقول بأنني جرحت نفسي بزجاج كان مرمياً بجوار منزلنا ..

حسناً يا عبيدان .. هل حقنوك بإبرة ما ؟؟؟

قال : لا … لم يأخذني إلى المشفى الكبير , بل مشفى صغير جداً { على مايبدوا كان يقصد عيادة تمريض خاصة كتلك المنتشرة في شوارع المدن و التي يديرها الممرضين المجازين } …

يتابع : قاموا بوضع الكحول على الجرح و خاطوا الجرح , ثمّ عدت مع عمي ؟؟ مساءاً

بدوري أشرت للممرض بأن يقوم بإزالة القُطب , و تنظيف مكان إنغراس الأنياب بإلحاح و حرص , ثم إعادة تضميده دون تقطيب الجرح , إتجهت نحو الصالة حيث تنتظر والدته , طلبت منها الإنضمام إلينا , بعد أن قمت بوضع الستارة أمام طاولة الفحص , كيّ لا يصيب الخجل السيد عبيدان ..

سألتها : ما صلة القربى بينك و سعيدان ؟

قالت : سعيدان و والد عبيدان أشقاء , لكن بينهم خصومة و لا يتحدثون مع بعضهم البعض منذ مدة طويلة .. لأسباب تتعلق بتقسيم أرض بينهم و خلافات عائلية أخرى …

سألتها : هل يمتلك سعيدان كلب ؟؟

أجابت : و هي تهزّ رأسها إيجاباً … نعم , لديه كلب كبير و مُخيف .. لا نجرؤ على المرور من أمام منزله ليلاً خوفاً من هذا الكلب المجنون !!!

إسمعي يا أم عبيدان : أريدك أن تذهبي فوراً إلى سعيدان و تخبريه بأن طبيب المركز يريده للضرورة ؟؟

إرتبكت المسكينة , و قالت ما الأمر يا طبيب .. هل أصاب عبيدان شيء ؟؟

لا .. لا تخافي .. إنما مجرد جرح , لكنني أفضّل إعادته إلى المشفى .. لإعادة تقطيب الجرح … أمر جداً بسيطاً , فقط لا نملك هُنا الخيوط المناسبة لهذه الأنواع من الجروح … لا تخافي …

غابت حوالي العشر دقائق لتحضر و معها سعيدان .

أهلاً سعيدان تفضل ؟؟؟

إذهبي يا أم عبيدان إلى منزلك … لقد إنتهى دوركِ . من خلف الستارة الخضراء كان أبنها مستلقي على بطنه , و هو في قمة السعادة نتيجة حصيلة يومه ( و أقصد الخمسة و عشرون ليرة التي أخذها منيّ العفريت ) .

من البداية : قلت لسعيدان بعد أن غادرت زوجة أخيه , أنه الكلب .. يا سعيدان فالزجاج لا يعضّ , لماذا لم تخبر من قام بخياطة جرح عبيدان بأنها عضة كلب .. بكل الأحوال هذا الشخص فيه من الجهل بحيث أنه لم يميز بين العضة أو الجرح .. أو غير مبالٍ مثلك بمصير الطفل .

عدا أنه لا يجوز خياطتها , كان عليه نصحك بالتوجه نحو المشفى لأخذ المصل المضاد لداء الكلب ؟؟؟.

أجاب بنزق و عنجهية بغيضة , ألهذا السبب أحضرتني .. و ما دخلك أنتْ !! … هل أنت المسؤول عمّا يحدث خارج هذا المركز أيضاً …

يتابع : لقد أخذته إلى ممرض في المدينة , أعرفه منذ زمن , طلبت منه أن يخيط الجرح و يعقمه … جرحٌ كان أم عضه الكلب .. ما الفرق لقد تمت معالجة الطفل و إنتهى الأمر !!!

الفرق هو التالي يا سعيدان .. أمامك نصف ساعة , و سأجعلها ساعة كأقصى تقدير .. إن لم تتصل بيّ من المشفى الحكومي , و تدعُ طبيباً أو ممرضاً يتحدثُ معي , و يخبرني بأن عبيدان قد تلقى المصل المضاد لداء الكلب و أخرى مضادة للكزاز .. أعدك .. بأنك لن تبيت هذه الليلة في المنزل , و ليس فقط هذه الليلة …. إنمّا ستكون ليالٍ كُثر … ما رأيك ؟؟؟

طـّول بالك يا حكيم … أراك محتداً بشكل لم نألفه منك , و الله ( الشغلة ) لا تستأهل كل هذا الزعل منك ..

قلت : أمجنون أنت … كل القرية تعرف بأنه لديك كلب مجنون و غالباً مُصاب بداء الكلب , و قد عضّ ابن أخيك .. ألم تسمع بداء الكلب .. و ما نتائجه …  و تتظاهر بالبراءة و الجهل , و تتكلم كأنك سيد قومك و لا تأبه لأحد !!

حسناً يا طبيب .. الصراحة لقد خفت من الذهاب إلى المشفى .. فإتجهت إلى أول عيادة تمريض صادفتها , و طلبت من الممرض أن يعقم و يخيط جرح ابن أخي …. لم تكن عندي أية نية سيئة .. ؟؟

لو كان ابنك يا سعيدان , لأخذته فوراً إلى المشفى , لكن سوء تفكيرك الذي طغى عليه الخلاف مع شقيقك , والد عبيدان .. جعلتك لا مبالِ .. ثمّ لماذا تخاف من إلقاء القبض عليك في المشفى هل أنت عضضت ابن أخيك , أم كلبك هو الذي قام بعضّه ؟؟؟

ساعة واحدة … بعدها , سأرسل وراءك من يقبض عليك , هذا بعد أن أجعل ابن أخيك يعضك من نفس المنطقة … أتفهم يا سعيدان !!

أسمع من خلف الستارة عبيدان يقول للممرض : إذا قال ليّ عمي الطبيب بأن أعضّ عميّ سعيدان .. سوف أعضّه …

حسناً يا طبيب … أليس بالإمكان شراء هذا الدواء من الصيدلية ؟؟

لا … و هذا ليس بدواء عادي … و لا يُباع في الصيدليات .. أنه مصل مضاد لداء الكلب و هو مكلف يا سيد سعيدان الجرعة الواحدة يزيد ثمنها عن الثلاثة عشر ألف ليرة سورية , و قد يحتاج إلى جرعتين .. أتملك مبلغ ستة و عشرون ألف ليرة لتشتريه .. هذا إن وجدته .. و قيمة المصل هو أهّون مشاكلك .. لأنه لايتوفر بشكل دائم , أدعوا الله بأن يكون متوفراً في المشفى !!! و إلاّ سأرسلك بجولة تشمل كل أنحاء سوريا حتى تجد المصل المضاد لداء الكلب .. و ليس هذا فقط .. بل سيرافقك ابن أخيك لأنهم لن يعطوك المصل هكذا بكل بساطة , و حتى أزيدكَ من الشعر بيتاً .. الحافلات و الجلوس طويلاً كان أم قصيراً , لا يناسب عبيدان .. ستكون جولة بسيارة خاصة حتى يتسنى لهذا الطفل المسكين أن يستلقى على بطنه …

أصـّفّر وجهه سعيدان وشحب عند سماعه بقيمة المصل و ندرته .. فهذا يعني بالنسبة له جدية الموقف بل و خطورته .. فبدأ يتوسل و يطلب المساعدة في البحث عن حل لهذه المعضلة الغير متوقعة بالنسبة له …

قاطعَ حديثنا عبيدان من خلف الستارة .. و صرخ : و ليّ مئة ليرة و إلاّ سأخبر أميّ ؟؟؟

الحقيقة كدت أن أنفجر ضاحكاً من هذا الإنتهازي الصغير و لكنني تمالكت نفسي .. للحفاظ على جدية الأمر مع هذا العمّ المعتوه ….

فعلاً بعد ساعة تقريباً … إتصل بي من المشفى ليعطي بدوره الهاتف للطبيب المناوب الذي عرفنيّ بنفسه و أخبرني بأن عبيدان بالفعل قد تلقى المصل الخاص بداء الكلب وحقنة أخرى ضد الكزاز  ….

جاءت أم عبيدان في اليوم التالي .. و هي تبكي فقد حكى لها الوغد الصغير عمّا دار بيني و بين عمه سعيدان … أخبرتها بأن لا تخاف , الأمور أصبحت بخير , و لم يعد هناك سبب لأي قلق أو خوف بإذن الله … أما عبيدان فقد كان غاضباً جداً … لأنه تلقى عدة حقن في الوجه الأمامي للفخذ و أخرى في مؤخرته دون رشوة  … من جهة أخرى  كان سعيداً بالخمسة و عشرون ليرة حصيلة ذلك اليوم …

صدفة !!! في اليوم التالي صباحاً , كانت شرطة البلدية تبحث عن الكلاب الشاردة في تلك القرية و قاموا بقتل جميع الكلاب التي عثروا عليها , و كانت البداية من بيت سعيدان .. ثمّ جاؤا بعد إنتهاء المهمة ليحتسوا معيّ فنجان قهوة الصباح … و لإخباري بإنجازهم هذه المهمة الــــ صدفة

الصورة

Dr.Walid Sham

Advertisements

28 تعليقات على “إنه الكلب … يا سعيدان

  1. منرجع لقصة الجهل والفقر يللي بعتبرهم أكبر الجرائم في هالزمن ..

    حلوين مغامراتك مع المرضى ، استمتعت كتير بالقراءة كالعادة ..

    الله يديمك ذخر لهالوطن وتقدر تساعد و تعالج الناس وتخفف عنهن ألمهم ووجعهم ..

    شكراً 🙂

  2. والله مشكور ع العمل الانساني الجليل ومشكورة الشرطة ع قتل هالكلاب 🙂
    والله يا عمي هالصدفة حبيتها وبتشبه صدفة بحر لاقيتها ع الشط 🙂 يلا سلامات دكتورنا

  3. اسف على هذي الكلمات..
    لم لا تحاول ان تكتب قصص عنك بطريقة ادبية ونتشرها كتاب مثلنا
    يوميات طبيب في الارياف … او اي اسم
    على فكرة اسلوبك بالتعامل وبالمزاح لطيف جداااا وتعطيك مع الاموار دليل على الحكمة
    وهذا شيء عظيم …… واكرر اعتذاري انها مجرد فكرة…

    دمت بخير ………

    • وليد ، اليوم بالجامعه خطرلي أنـّو ليش ما بتعمل كتاب خفيف نضيف صغير فيه قصص بتصير معك كطبيب .. أعتقد أنـّو اسلوبك برواية الأحداث كتير حلو و سلس و سهل أي ّ شخص يقراه و يستمتع فيه ، و بهيك فيه يكون أيضا ً دليل لكتير أشخاص بأمور طبيّة ؟؟

  4. أعجبتني شخصية عبيدان الانتهازي الصغير والله يستر من كبرتو.
    اسلوبك السلس جعلني أعيش الحدث رؤيا العين
    كالعادة مبدع

  5. لأول مرة أشعر أن حياة الطبيب قد تكون ممتعة رغم أكوام الجهل المحيطة بنا ….

    ملاحظة على الهامش , أقحمت اسمك بطيب نية هنا , أرجو أن لا أكون قد أثقلت عليك

    واجب تدويني

  6. Mais :
    شكراً لمرور الكريم ميس .. كانت فرصة ليّ التعرف بمدونتكم الجميلة … و الصُدف .. أمتع … و شكراً للإقحام و الذي لا أشك بالطبع بحسن النية … و سأحاول أن ألبيّ رغبتكِ بأول فرصة
    تحية مسا أيلولية ….

  7. تعقيب: كوكتيل 3 – Cocktail | سرسرة بودكاست

  8. اخ وليد مدونتك من اجمل المدونات

    مع استمتاعي بالأسلوب القصصي الجميل إلا إنها تزيدني معرفة وامور كنت اجهلها

    استمرر .. وايضا اوافق الأخوة في اصدار كتاب تضم قصصك ومواقفك

    التي تحصل لك في العيادة ..

    (:

  9. تعقيب: الحلقة 3 من سرسرة بودكاست بعنوان كوكتيل | مدونة سرسرة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s