لوحة … وَهّمٌ و أمَـلْ


31519_1178779957

… منذ زمن بعيد , بعد أولَ بكاءٌ ليّ بسويعاتٍ قليلة , آناء ترنيمة الفجر الوديعة , قررت أن أرسم لوحة , كان اللوح الأبيض بجواري تماماً , و قصبة خفيفة مصنوعة من ريشٍ و وهّم  و خيال .

الخطوط الرئيسة للوحتي كانت مُبهمة … لمْ أخُـطّ منها شيء بيدي .. .. كانتْ قبضتاي صغيرتان جداً لم تتقنَ الرسم على لوح الأيام الأبيض , كل من كان حولي و حضرني … أدلىّ بدلو ألوانهِ على ذلك اللوح الأبيض البريء … فرسم فيه و خطّ  تارة .. و جرح فيه و مزقّ تارة أخرى .. هُنا أو .. هُنا … و أحياناً … هُناك … لم يخلو الأمر من بسّمة …

سنين طِوال مضّت و عامات كُـثر … مرّت كما إعتاد بني البشر … هكذا …  بلمح البصر … بحثت عن لوحتي المرمية في سرداب الحياة , لمّلمّت نفسيّ , و رغبتي الطاغية  على إكمال ما رُسم دون حولٌ ليّ و لا قوة …. هالني و راعنيّ ما رأيت من خطوط لوحتي الرئيسة بل أفزعني … فقررتُ  أن أعيدَ تشكيلُها .. من جديد … هذا ما دار بُخلديّ  و بكل حماقة … 

عبثاً حاولت محوها بيديّ و كُمّ قميصي الوحيد ,  أستعنتُ بحجارة من صُوانٍ كانت مبعثرة على جناحيّ النهر بلا وعي و لا تنسيق  , عبثاً .. و ألف عبثاَ .. فات أوان الأوان , فقد شقت الألوان خـّدود  لوحتي و أحدث فيها الزمان نزفاً و جرعة من أشجان … فما عادتْ هي بيضاءٌ كما كانت , و لن تعود … و لا عُدتُ أنا .. كما كنت … ذات بعيد … و لنّ أعود … 

قررتُ طمسها و معالمها و رسمها من جديد …. قال ليّ عجوز .. أخبرتني الأيام أنه رسّامٌ عتيد … قال : لن تجد لألوانك القديمة مثيل .. فلكل زمانٍ ألوانِه و أحلامِه  و هذا أمرٌ … ليس بالجديد … عدتُ مسرعاً نحو سرداب الحياة .. حيث كانت لوحتي متكئة على أحد الرفوف المغبّرة بلفحِ السنين … بجوارِ لوحات لأحياءٍ كـُثر , و كذلك لوحاتٍ لبعضِ الأموات … بحثتُ عن علبة الألوان خاصتيّ … يا لفرحتيّ لقد وجدتها و لسوف أسخرُ من صديقي الرسّام العتيد … و سأبدأ رسمها من جديد …

في ذلك اليوم , بينما كنت أسبح في ضوءِ النهار , على مرمى حجرٍ من مرآة الصباح حيث إكتشفتُ أول مرة , بضعُ شُعيرات بيض تتسلق بهمةّ على أطراف شعري  دون كلل …. نعم في ذات اليوم قررت أن أرسم لوحتي من جديد … لازالت يداي تحتضنان علبة ألواني العتيقة … و ريشةٌ زرقاء , وجدتها مرمية في أول أقرب حديقة .. ليست تماماً جديدة , لكنها مصنوعة من عزمٍ و صبرٍ كأنه الحديد … فتحتُ علبة ألواني , فوجدتها قد جفتّ منذ زمن بعيد .. عُدت و سألت رسّامي العتيد .. فضحك ذلك العجوز  و قال : ألم أقل : بأنه عن رأيك سوف تحيدْ … … مسكين ابن البشر … و كذلك أنت أيها الغرّ العنيد …

جريتُ مُسرعاً أسبقُ الريح .. اشتريتُ علبة ألوانٍ جديدة من محل قريب , كــُتب عليه …. ألوان الأمل …. عّدت أدراجي إلى الساحة الكبيرة الورافة ظلالُ أشجارها … إتخذتُ موضعاً لنفسي تحت شجرة صفصاف عتيقة أكثر من علبة ألواني القديمة , حُفر على جذعها من الذكرياتِ …. الوفير … نظرتُ خلفي إلى بركة الماء حيث تلعب الطفولة الساذجة هناك , وسط صخبِ الساحة الكبيرة مرتعّ الرساميّن … ليس ببعيد .. هناك في المقعد القديم على صفحة أول موجة فيروزية عذراء .. جلس خيالُ بــّحارٌ يتيم .. بجوارِه حفنة من ذكريات , و روح طائر النورس , و قنديلٌ خافتٌ نوره …. إستلقى عن اليمين .

في الجهة المقابلة , من بين زحمة كلِ الرسّامين … كان يلّوح لّي بيديه من بعيد … صديقي الرسام العتّيد … لم آبه به  لغيظي من صّواب كلامه الموزون … جاءني ضاحكاً فقال .. أغاضبٌ منيّ أيها الغـرّ السقيم … ألم تدرك بأن  الألوان تتغير … بتغير الزمان .. و لكل زمانٍ ألوانه .. كما و رجاله … و نساؤه , نعم تركتك عمداً .. كيّ تتعلم من تلقاء نفسك فالتجارب خيرُ خبير … لا تطمس لوحتك أيها الفتى الغريب … و إياك ثمّ إياك العبث في سرمدِ ما فات … لا تحاول الرسمْ من جديد … خذ ألوانك الشابة … و أدعُ تلك الفتاة السمراء الواقفة هناك , بجديلتها الطويلة  و أناملها السحرية , و أهدابها الصارمة … ففي روحها أقرأ روح فنانْ … دعها تُعلمكْ أيها التلميذ …هي هناك … سيعرفها قلبك قبل عيناك , مرمّيٌ بجوارها علبة ألوانها ناصعة بهّية  و معطفٌ دافئ سميك و قبعة شتوية ….. أدعوها , و دعها ترسم لك زهرة أقحوانٍ , بجوارها أخرى لعبّاد الشمسِ … صفراء … لابأس بحفنة من طيور السنونو … و قبضة من قوس ُقزح … لكن إحذروا الحارس !! … لن يسمح لكم بقطف كل الألوان …. ارسموا فيها الكثير الكثير من قطرات الماء و الألحان , أمزجوها بخيوط الشمس و إطلالة البدر , و لا تنسى أبد النجوم .. و شتلة صغيرة من الريحان ,  و نحلة واحدة , و من النمل أيضاً … خذ بعض الإصرار …. أُرسمْ  و إياها … أقصد تلك السمراء .. أرسموا كما يُجِبُ أن يكونَ الرسم … بهدوء ؟!

اللوحة

Dr.Walid Sham

Advertisements

7 تعليقات على “لوحة … وَهّمٌ و أمَـلْ

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s