يوميات مدينة منسية ….. ( 3 )


sorba1br7

…. قفز طيفور بيك مذعوراً من فراشه .. على صوت رصاص مزق سكون ليلته الأولى في المخفر الشرقي .. , إرتدى بنطاله على عُجالة باحثاً عن مسدسه الذي علاه الصدأ لرقوده الطويل في جرابه … بعكس جيوب بنطاله , التي أوصى زوجته بإعادة خياطتها بعد أن ضاعفت له حجمها مرتين و نصف المرة .

فزّ معه جميع عناصر المخفر من درك و ما ضم في جنباته من مساجين و بغال و أحصنة كانت مربوطة في الأسطبل الشمالي … مصحوبة بأضواء المخفر التي بدا نورها يتناثر بغير إنتظام من نوافذ غرفه المتلاصقة .

دخل الدركي شاهين لاهثاً  بالكاد يقوى على التنفس …. سيدي مصدر إطلاق النار … بيت الآغا ؟؟؟؟ كلاهما كانا يتحركان بصعوبة من وجبة الغداء الدسمة في بيت الآغا , و العشاء الذي أصرّ عليه المختار ( نهبان ) في ذات اليوم ترحيباً بـ طيفور بيك ْ .. لكنهما لا يستطيعان إلاّ و التعامل مع الوضع الغير المسبوق في هذه المدينة الراقدة أسفل حذاء المَدنِيّة بعدة حِقَب …

خرجا بحذر من المخفر يتبعهما عناصر المخفر المدججين بالسلاح .. بإتجاه بيت الآغا الذي لا يبعد سوى خطوات معدودة عن المخفر , لكن من الجهة الأخرى لباب المخفر …

قبل أن يصل طيفور و أشباه الدرك الذين تجمعوا حوله بغير إنتظام إلى بوابة بيت الآغا .. حتى إندفع منها أكثر من عشرة فرسان ملثمين مدججين بالسلاح يمتطون صهوات خيول سوداء داكنة  كأنها قطع الليل مطلقين النار  من بنادقهم في الهواء ….. فأحالوا تلك الليلة المعتمة إلى منتصف نهار ….

قفز طيفور و خلفه شاهين بخفة غير متوقعة خلف الدراجة النارية الرابضة أمام باب المخفر متخذين منها دريئة لصد الرصاص المنهمر كزخ المطر بعد سنين عجاف … , أما بقية العناصر فقد إحتموا بالأعمدة الضخمة التي تزين مدخل المخفر لعدم قدرة  الدراجة على توفير الحماية لأكثر من شخصين .

إختفى الفرسان داخل عتمة الليل متجهين صوب النهر .. و ما يحتويه من جزر صغيرة متناثرة لا يجرؤ على دخولها إلاّ همّ و ذئاب الليل ؟؟؟

إنه ( همّام الليل ) و رجاله .. قالها شاهين و هو يرتجف خوفاً و رعباً مشيراً نحو ثلة الفرسان المضمحلة في الخلاء مخاطباً سيده طيفور بيك .

و من هذا الخارج عن القانون يا شاهين ؟؟ :

سيدي أنه شاب متمرد لا يخشي شيئاً و حوله شباب بمثل سنه من أبناء العشائر … يضايقون الآغا و المخاتير بين الحين و الآخر , لكن لم تصل بهم الجرأة بأن يدخلوا المدينة و إلى بيت الآغا تحديداً !!! …

طيفور بيك : سنرى في أمره بعد مساعدة الآغا !!

*****************************

هرع طيفور داخل بيت الآغا منادياً بأعلى صوته  …. بلا طائل .. ما من مُجيب …. كانت الكلاب مرمية ليس ببعيد عن البوابة و هي تغط بنوم عميق .. إقترب منها شاهين بحذر , و إنحنى نحوها متفحصاً , ليعود و هو يحمل قطعة لحم كانت مرمية بجوارها … أنظر سيدي !!! إنها الحيلة القديمة ذاتها يخلطون اللحم ببذور الخشخاش التي يسرقونها من حقل الشيخ ( نهبان ) قالها بصوت خفيض .. و تابع ثم يرمونها للكلاب التي ما ان تأكلها حتى تغط  في نوم عميق .. فعلوها عدة مرات و لكن لسرقة المواشي و الحبوب من مخازن الآغا … لكن إقتحام بيته … هذا تحديّ لسلطة المخفر . و هيبة السرايا و سيادة المستشار حاكم المدينة … الذي لايبعد بيته كثيراً من المخفر بإتجاه النهر . 

بيد مرتجفة و عرق غزير أشار طيفور لعناصر الدرك ليبدؤا البحث في أرجاء بيت الآغا الواسع , أما هو و شاهين و دركيّ آخر , فإتجهوا نحو المبنى الضخم الذي يسكنه الآغا و عائلته . في الطابق الأول كان الأثاث مبعثراً و محطماً و صورة الآغا منزوعة من صدر الغرفة و مرمية في منتصف المضافة تعلوها أثار أقدام كثيرة و الكثير من روث الحيوانات .

كان طيفور و من معه في حالة ذهول شديدة .. فقط اليوم صباحاً .. كانت هذه المضافة تعتبر أجمل غرفة دخلها في حياته .. تابعوا البحث في الغرف الأخرى … كما المضافة و كأن إعصار إجتاحها و لم يبقي فيها شيئاً .. و لم يـّـذر

إستجمع طيفور بيك شجاعته و تسلق الدرج الموصل للطابق الثاني يرافقه شاهين , بعد أن أمر الدركيّ ( سنجق ) أن يمكث عند أسفل الدرج تحسباً لأي طارئ , هذا بعد أن صرخ شاهين مستدعياً الدركيّ ( حتّوش ) لينضّم إلى زميله سنجق … لم يتعرف طيفور بيك  على أسماء أفراد جيشه الصغير بعد .. لذا ترك مهمة توزيع العناصر على عاتق شاهين …

في الردهة الواسعة التي تلي الدرج مباشرة و خلف أحد الأعمدة الضخمة .. كانت ( أم سلمة ) خادمة زوجة الآغا جالسة على الأرض مذعورة و قد إنعقد لسانها من شدة الخوف و بدأت تبربر بكلام غير مفهوم مشيرتاً بيدها نحو غرفة نوم الآغا … لتعود و تشير بسرعة نحو غرفة أخرى في آخر الممر , حيث سُمع طرقات شديدة على الباب الخشبي السميك  ..

تقدم طيفور و شاهين نحو الغرفة بحذر شديد ممزوج بخوف و رهبة نحو الباب , قام شاهين بفتح الباب لترتمي عليه زوجة الآغا , التي لم تكن بأحسن حال من خادمتها .. إذ أنها و بمجرد ان فُتح الباب حتى سقطت مغشياً عليها . وضعها شاهين على الأرض بهدوء بجوار أم سلمة ليتجه مع طيفور بيك نحو غرفة نوم الآغا …

*****************************

في هذه الأثناء عثر الدرك على رجال الآغا مربوطين بحبال غليظة.. معلقين من أياديهم بدعامات سقف القبو , كانوا يأنون من شدة الألم .. و واضحٌ أنهم تعرضوا لضرب مّبرح بالسياط و العصي حتى أدمت ظهورهم و بطونهم و إختفت ملامح وجوه أغلبهم خلف كدمات خلفتها أيديّ غاضبة .. ثأرة .

كان محتوى زجاجات الخواجة وانيس قد غادرت صناديقها و تحطمت تاركتاً محتوها ينساب على أرضية القبو الرطبة و العفنة لتزيد رائحة العفونة حدةً و نتانة ..

أرخى رجال الدرك الحبال و أطلقوا سراح رجال الآغا و ساعدوهم في الخروج من القبو إلى الهواء الطلق حيث إرتموا على العشب المبلول حديثاً , مطفئين حريق ظهورهم و بطونهم ببرد العشب اللذيذ …

*****************************

دخل طيفور و شاهين غرفة نوم الآغا ليجدوه هو الآخر مربوطاً .. لكن و بعكس رجاله … كان مربوطاً من قدميه و معلقاً بسقف الغرفة متأرجحاً بغير إرادته .. فهو فاقد الوعي تماماً , لم يسّتر جسده الغض المدلل سوى ثوب النوم الحريري الرقيق , أو ما تبقى منه إثر لساعات سوط مُنتقم .. لسعات تعدت الثوب الرقيق لتصل حتى عظامه في مواضع ليست بالقليلة من أنحاء جسده .. كان ينزف من ظهره و قد أزّرق جلده و إحمّر .. حتى أنه فقد أسنانه الأمامية نتيجة لكمة مباشرة أو ضربة عصا فرحة برقصتها المنتقة من ذل طويل . 

نظر طيفور و شاهين إلى بعضهم البعض بنظرات لا تخلوا من رعب و خوف شديد لهذا المنظر , لو كان يخص أحد الفلاحين .. لما رفّ لهم جفن .. بل هو منظر قد إعتادوا رؤيته منذ ردح طويل .. هذا إذا لم يقوموا برسمه بأنفسهم على أجساد الفلاحين و العمال الفقراء تلبية لرغبة آغا هنا أو مختار هناك … لكن هذه المرة .. أنه  الآغا بنفسه … و هذا أمر آخر تماماً يستوجب الذعر و الخوف و التفكير من القادم بعمق .

غير بعيد عن الآغا المتأرجح .. كان سوطه مُلقى و قد أصبح عدة قطع صغيرة لا تصلح لشيء , بجواره بزة الآغا البيضاء المميزة و طربوشه الزاهي , و قد أصبحت خرقة بالية غير معروفة المعالم من أثار أقدام الرجال الغاضبة … في رمزية أدرك معناها طيفور و شاهين … و سيعّيه و يدركه الآغا المُدلى عندما يستفيق ؟؟! .

*****************************

كان أول المتجمهرين أمام بيت الآغا ثلة من الشباب الساهرين في مقهى ( السرايا ) المجاور لمخفر الشرطة إلى الغرب قليلاً … تلاهم الحاج ياسين .. صاحب المكتبة الملاصقة للمقهى و معه أولاده الأربعة الذين إعتادوا السهر أمام المكتبة في الليالي الصيفية مستمتعين بنسمات النهر العليلة … كان برفقة قريبه و جاره الحاج حبيب صاحب محل الزيوت , ثمّ أبو البيب … و عربته و بغله .. الذي كان مستلقياً على ظهر عربته واضعاً قدماً على قدم يفكر بالغد و كيف سيذهب باكراً إلى طاحونة ( الفرج ) لينقل أكياس الطحين لأحد المخاتير من القرى الشرقية .. كان فزعه شديداً عند سماعه أصوات إطلاق النار و كذا بغله الذي جفل حتى كاد أن يقلب صاحبه  من على ظهر عربته …

أخرج الدرك الآغا محمولاً كحمار نافقٍ , و طيفور يبحث عن سائق الآغا , قبل أن يخبروه بأنه يسكن بعيداً عن بيت الآغا حيث إعتاد أن يبقي السيارة عنده .. ليحضرها صباحاً نظيفة لامعة حسب رغبات وليّ نعمته …

لم يجد طيفور أمامه سوى عربة أبو البيب , فأشار إليه بالإقتراب .. و عربته حيث ألقوا بالآغا على ظهرها .. لم يكن حظ الآغا جيداً  .. فآخر حمولة قام بنقلها أبو البيب هو ثلاثة خراف و تيس واحد .. و على ما يبدو تركت أثراً كبيراً من مخلفاتها , لتواجدها على سطح عربة أبو البيب نتيجة خوفها من أبو البيب نفسه , أو عدم إستطاعتها الوقوف بثبات  كما إعتادت على سطح الأرض … تلتها حمولة من البندورة التي طلبتها زوجة أحد المعلمين لتصنع منها دبساً للشتاء القادم . لذا ما إستقر جسد الآغا على العربة حتى بدأ يستفيق من نتانة الرائحة الكريهة المنبعثة من عربة أبو البيب …

أما أبو البيب فكان أسعد انسان على وجه الأرض … الآغا بشحمه و لحمه .. مرمي في عربتي … إنها نقطة فاصلة في تاريخ أبو البيب و عربته , بل في تاريخ المدينة بأسرها .. لـّكز بغله الذي إستيقظ تماماً في خضم الأحداث الغير متوقعة فإنطلق يسبق الريح نحو النقطة الطبية , يرافقه بعض الدرك … يليهم شاهين الذي أتلف ما تبقى من سكون الليل بإحضاره الدراجة النارية الكبيرة ذات المقعد ليجلس بجواره طيفور بيك الضائع بين الخوف و الرهبة و غضبه على سوء طالعه الذي جعل من يومه الأول في هذه المدينة … تاريخاً فاصلاً في حياة التمرد ؟؟

بعد أن إنطلقت الدراجة النارية بثوانٍ قليلة و بمزيج من الغضب و الحّيرة و الكثير من الرهبة قال طيفور بيك : من هو ( هــّمام الليل ) هذا يا شاهين … ؟؟؟؟

****************  للْحَدِيثِ بَقِيّةٍ ****************

الصورة

مواضيع ذات صلة :

يوميات مدينة منسية … ( 1 )

يوميات مدينة منسية … ( 2 )

Advertisements

5 تعليقات على “يوميات مدينة منسية ….. ( 3 )

  1. مبارك الشهر الكريم

    سرد جميل جدا حقا سعدت بقرائة القصة

    احترامي وليد بأنتظار البقية

  2. السلام عليكم ورحمة الله

    اخى الكريم وليد
    كل سنة وانت طيب وبخير وسعادة
    اكذب عليك لو قلت انى انهيت قراءة قصتك لكنى احببت ان امر سريعا لاهنئك بشهر رمضان المبارك
    ولى عودة ان شاء الله للقصة وانا على يقين انها رائعة
    ادعو الله ان يعينك على صيام نهار رمضان وقيام ليله وكل سنة وانت وكل اهل سوريا بخير وامان وسلام

    كل سنة وانت من الله اقرب اخى وليد

    • LOLOCAT:
      رمضان كريم عليكم و من تحبون و علينا و على أمة الإسلام جميعاً …. نسأل المولى أن تكون أكبر قصة لنا في رمضان و غيره أن تكون في سبيل إرضاء وجهه الكريم …
      توفيقاً و رضا من الكريم العزيز

  3. تعقيب: Tweets that mention يوميات مدينة منسية ….. ( 3 ) | مدونة وَلــيدْ شـّام -- Topsy.com

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s