يوميات مدينة منسية … ( 2 )


2

… صوت كقصف الرعد أعقبه سحابة دخان خانقة , أنه الدركّي ( شاهين ) . ما أن شاهد رجل ببزة رسمية يترجل من الحافلة حتى أطلق العنان لدراجته النارية الضخمة ذات المقعد الجانبي , مثيراً رعب الأطفال الذين هربوا في كل حدب و صوب ….. حتماً أنه السيد الجديد فهو الوحيد الذي يرتدي بزة رسمية من بين ركاب الحافلة . قبل أن يصله بأمتار قليلة , حتى كانت سيارة ( الآغا ) قد تجاوزته و وقفت تماماً حيث يقف السيد الجديد .

على عُجالة ترجل السائق ( سركيس ) بخفة الغزال ليفتح الباب الخلفي الأيسر لجنّاب الآغا , الذي خرج من السيارة تسبقه عصاه المطعّمة بعروق الفضة , كان يرتدي بزة بيضاء ناصعة  و حذاء من ذات اللون , يعلو رأسه طربوشاً أحمراً قانتاً بلون دم فلاح أسمّر ممزوجاً بأشعة الشمس و تراب الأرض المالح و الكثير من عرق الجباه .

أهلاً … ( طيفور بيك ) , أردت أن أكون أول المستقبلين , و أعتذر عن أي تأخير , كما تعلم هؤلاء الفلاحين الأوغاد لا يُتركون لوحدهم … تابع ضاحكاً (( لأنهم سيفكرون و الفلاحين إذا فــّكروا  فَـَسَدْوا )) لذا يجب أن لا ترتفع هذه عن ظهورهم … قالها و هو يلوحّ بعصاه في الهواء . الآغا لم يكن في الحقول عند الفلاحين , فلباسه لا يّدل على ذلك , لكنه أراد أن يبعث رسالة تخلصّ ما المطلوب من الحاكم الجديد للمخفر ….

راقَ له أن يناديه أحد بإسمه متبوعاً بلقب ( بيك ) بدل التسّمية التي إلتصقتْ به ( أبو عاكول ) فهّي بحد ذاتها قصة !!! فـ عاكول نبتة برية مرةّ غير ذات نفع في الأكل و الطبخ … بداية جيدة قال لنفسه .. هاقد أصبحت ( بيك ) منذ اللحظة الأولى ليّ في هذه المدينة .. لقب مُهيب بدل اللقب الساخر الذي إوجده لي أهالي قرية ( المتاعيس ) الأوغاد , و ألصقوه بيّ .. تباً لهم .. لم يحترمني أحد منهم , أو يهابني … رغم فقرهم و جهلهم و ضعفهم .. إلاّ أنني لم أستطع أن أحملهم على إحترامي , كنت عندهم  إمـّا أبو عاكول .. أو ابن العَــــاهرة  …. تباً لهم .

من خلف كتف الآغا الأيمن … بصوت خفيض : الحمد لله على السلامة سيدي .. أنه الدركيّ شاهين , نظر الآغا إليه قائلاً .. أهلاً .. شاهين أفندي … ستسمح لنا بإصطحاب البيك هذه المرة .

شاهين  : كما يشاء البيك و تشاؤون جَنابّ الآغا .. هزّ طيفور بيك رأسه موافقاً على دعوة الآغا , مشيراً للدركيّ شاهين بأن يسبقه إلى المخفر الذي لايعرف حتى هذه اللحظة أين يقع …

تابع الآغا : لاتنسى شاهين أفندي … الغداء اليوم عندنا على شرف طيفور بيك … و بالإذن من طيفور بيك طبعاً … رد بإبتسامة … و هو يمسح حبات العرق من جبينه الذي لا يندى بسهولة … و هي صفة قديمة … لازمته منذ الطفولة الباكرة , كانت أمه تقول له دوماً ( لك وجه كوجه الحصان .. لا يندى و لا يتعرق !! ) لمْ يفهمُ معناهَ حتَّى كبُرَ و بَلغَ منْ العمر عتيّا ؟؟؟

جَال الآغا بنظرهِ السّاحة بجهاتها الأربعة مبعداً الحر و الغبار بمنديل حريري أخرجه من جيب سترته الأيمن … الحقيقة هو لم ينظر بإتجاه محدد .. لكنها العادة عنده , و كرم أخلاقه , ما أن يظهر للملأ حتى يفسح المجال لأهل المدينة أن ينظروا إليه ؟؟؟ و بزته النظيفة و طربوشه الأنيق … و عصاه المتوارثة أبّاً عن جدّ , و غالباً يرافقه سُوط جلدي طويل تنبثق منه على الدوام رائحة الدم و الجلد المحروق بلساعته و الكثير من الظلم …. أنه ليس ببعيد عنه الآن , تراه مُلقى على المقعد الأمامي للسيارة  .

أعاد المنديل الأرجواني المعطّر إلى جيبه بسرعة … لقد أخطأ المنديل … هذا منديل ( نـّوار ) الراقصة الغجّرية … أخذه منها صباح هذا اليوم , عندما مر بها ليحتسي فنجان قهوته الثاني , والذي أنهاه منذ قليل إذ أنه لولا قدوم أبو عاكول , لما تركها قبل إرتفاع الشمس في كبد السماء … بالتأكيد الفنجان الأول يكون رشفات سريعة متلاحقة , بصحبة زوجته الذكية جداً و الغافلة عنه … عمداً و ليس جهلاً …

ما لايعرفه الآغا بأنها هي من أرسلت وراء ( نّوار ) و طلبت منها الإستقرار و أهلها شمال المدينة …. حيث قاموا بنصب خيامهم , و ممارسة أعمالهم التي عُرفوا و اشَتهروا بها و في مقدمها بيع اللذة لمن يطلبها من أهل المنطقة و سائقي الشاحنات عابريّ السبيل ..

كانت زوجة الآغا تعرف دناءة زوجها و شغفه المتوارث بالنساء … لذا قررت أنه من السياسة إختيار امراءة له بدرايتها و معرفتها ، بدل من ترك الأمر له , فوقتها لن تعلم عنه و عن مغامراته شيء …. هي حنكة تعلمتها من أمها , هكذا كانت تفعل مع والدها . إنه تاريخ العُهر يعيد ذاته دوماً فقط يُغير الشخوص , لكنه يبقى ضمن التربة العَفِنة ذاتها ..

الآغا … يعلمُ مُسبقاً بقدوم رئيس جديد للمخفر , و قد تحضرّ لإستقباله كما سابقيه , فهم ضمان سلطته و هيبته على الفلاحين المساكين .

المخفر و سيده أهم أسلحّة الآغا لحماية سلطته , يليه من حيث الأهمية , مجموعة من الكلاب المسعورة المتوحشة كان قد أهداه إياها والد زوجته , آغا قرى الشمال , و قد خصص لها ركن خاص بها في الجهة الخلفية من منزله … أقرب ما تكون لمخفر الدرك المجاور لبيته … بالطبع هناك مجموعة من الرجال المسلحين جمعهم من قرى بعيدة و متفرقة .. التعطش للأذى و القسوة و حب المال بغض النظر عن رائحته .. حتى و لو كانت رائحة دم … هو القاسم المشترك بينهم .

إقترب منه أبو عاكول مصافحاً إياه … مد الآغا يده بسرعة واضعاً عصاه بينهما , مانعاً إياه من أن ( يتمادى ) فيأخذه بالأحضان … خوفاً على لباسه من أن يلوثه هذا الحيوان المتعرق كأنه خنزير … يقول الآغا لنفسه …

ليس كل من أتى و راح , يُسمح له بتقبيل و مصافحة الآغا …. يمكن للفلاحين تقبيل يده , كذلك المقّربين منه و حرسه  … أما تقبيل عصاه …. لسواهم . العُصاة و المتمردين يُسمح لهم بتقبيل حذاءه , و على وجه الخصوص أولئك المرميين بأمر منه غالباً , في زنزانة المخفر سيئة السمعة و المجاورة لإسطبل الخيل  ….

بينما كان سركيس يقوم بمسح زجاج السيارة الأمامي , منتظراً إنتهاء الآغا من حديثه مع أبو عاكول .. و إذ به يلمح ( الخواجة وانيس ) في منتصف الساحة فاغر الفاه , و بجواره عدة صناديق مغلفة بإحكام … رفض وضعها مع حمولة بقية الركاب على سطح الحافلة … فدفع أجرة راكبين لأجلهما .. و ها هو يتلفت حوله و بجواره المعلم تحسين يسأله بإلحاح ٍ و فضّول عن جهته و حمولته … و أبو البيب و بغله  ينتظران بفارغ الصبر بعيون شاخصة نحو الحمولة و ذراع صاحبها … عسى أن تتحرك مشيرة لهما لنقل الصناديق . 

إتجه السائق نحو الآغا مستأذن الكلام و معتذراً عن مقاطعة حديثه و رئيس الدرك الجديد … أشار له الآغا بالإقتراب … فوشوش بأذن الآغا … ملتفتاً نحو الخواجة وانيس …. و صناديقه !!!! نظر الآغا حيث أشار له دون حذر و تحفظّ … فلكزه بعصاه ليلحق بـ وانيس قبل أن يلمحه أحد المخاتير من زبائنه القدامى و يخطفه و غنيمته ….

لم يَطل الأمر كثيراً فما هي إلا ثوانٍ قليلة , و سركيس و الخواجة وانيس يتبادلان الحديث بالأرمنية المميزة يتخلل حديثهما ضحكات عالية و بعض الهمسات المريبة . بجوارهم المعلم تحسين … ينظر إليهما ببلاهة عسى أن يفهم من حديثهما شيء … بلا طائل فهو لا يتقن الأرمنية رغم عمله عند ( أبو سيمون ) الحداد لمدة أربعة شهور كاملة …… قبل أن يقبض عليه أبو سيمون متلبساً و هو يحاول التحرش بإبنته الشقراء ( ريتا ) … فطرده شر طرده , بالكاد يومها أخطأته مطرقة أبو سيمون الثقيلة و إلا لكانت سبب عاهة دائمة له على أحسن تقدير إن لم تصيب منه مقتلا …

الخواجة وانيس … صديقه الوحيد هنا .. و الأقدم .. فعمر صداقتهم قد تجاوز الدقائق العشر … و هذا سبب كافي ليلتصق به و لا يفارقه ؟؟؟ على الأقل حتى يتسلق إستعطاف غيره .

حمل وانيس صندوقين و كذلك فعل وانيس … و سارع المعلم تحسين بحَمل الخامس و الأخير معهم و كأنه صديق قديم ….

بهذه الطريقة وجد المعلم تحسين مكان له في سيارة الآغا … بالفعل تراه قد توسط المقعد الخلفي لسيارة الآغا بين وانيس و أبو عاكول … و كل منهما يعتقد بأنه صديق الآخر ؟؟؟ حتى الآغا ظن بأنه رفيق أحدهما !!! . 

في بيت الآغا , و في المضافة الواسعة تحديداً … جلسوا جميعاً بإنتظار طعام الغداء الذي لم يطل كثيراً .. إذ سرعان ما دخل أربعة رجال أشداء يحمل كل منهم طبق واسع تكـّوم عليها الرز و ما إختلط بعظم من لحم و شحم …. ما أن وضعوها على الأرض , حتى أشار لهم الآغا بأن يتفضلوا . أما هو فقد إعتذر عن مشاركتهم …. فهذا ليس وقت الغداء بالنسبة له …. إكتفى بالجلوس في مقعده الوثير في صدر المضافة , بيده تفاحة حمراء كبيرة , مداعباً بيسراه كلبه المفضّل ( بارون ) …

لم يأبه الحضور كثيراً لموقف الآغا الفجّ بعدم مشاركة ضيوفه الطعام على غير عادة الكرام …. فمنظر اللحم كان صاحب التأثير الأكبر و هذا ما يعيه الآغا جيداً …. ليمتنع عن مشاركة ضيوفه الطارئين من ( الرعاع ) طعام الغداء …

بعد كوب الشاي الثاني إستئذن طيفور بيك بالإنصراف فهذا يومه الأول و سيكون يوم طويل ….. ابتسم الآغا قائلاً : لا تهتم كثيراً … المخفر خلف ظهرك تماما … بعد مربّض الكلاب مباشرة … يفصلك عنه أقل من طول غرفة المضافة هذه ..

ضحك طيفور بيك… ثم قال .. إذاً نحن و كلاب الآغا جيران …. رد الآغا .. و أحباب و أصحاب . ثمّ ضحك الآغا كثيراً حتى طفرت الدموع من عيناه الخبيثتان … و تابع : بيتي مفتوحاً لكم في أي وقت … قهقه أبو عاكول و قال ( مخفري ) و كل ما فيه تحت أمرك يا آغا ….

نظر طيفور بيك إلى بناء المخفر .. تنفسّ بإرتياح … لضخامة بناءه مقارنة بالمخفر الحقير الذي كان يديره في قرية المتاعيس … بإمكانه زج رجال الآغا و فلاحيه العُصاة دفعة واحدة …. عندما يريد جناب الآغا … أو من يطلب منه …. فهو موجود لخدمة الناس .. بعض الناس …. و ليس كلهم !!!! . 

يا للحظ .. في هذا البلد المنسيّ …. أصبحت ( طيفور بيك ) و المسؤول عن أكبر مخافر المنطقة الشرقية ,  و صديق أشهر آغا في تلك البلاد المرمية على حافة النهر  …. ردد هذا بينه و نفسه , محاولاً إخفاء إبتسامة صفراء لئيمة , أبت إلاّ أن تخرج من بين أسنان طيفور بيك الغادرة .

ركض الدركّي ( عطا ) نحوه ململماً نفسه على عُجالة  , تصحبه بضع حبات من الرز لازالت عالقة بشاربه الضخم , و بقع من دهن إستقرت و إلتصقت ببزته بعناد … حيث أمر الآغا بإرسال طبق أو أكثر لعناصر المخفر  إحتفاءاً بوصول سيد المخفر الجديد … هذا رز و دهن الآغا و مسحهما حرام و جحود و نكران للجميل .. هي جملة يتناقلها هو و جميع درك المخفر … مصحوبة بكثير من الضحك …

**************** للْحَدِيثِ بَقِيّةٍ ****************

مواضيع ذات صلة :

يوميات مدينة منسية … ( 1 )

الصورة

Advertisements

3 تعليقات على “يوميات مدينة منسية … ( 2 )

  1. ابدعت في الكلام التصويري للطبقة الإقطاعية في طربوش الاغا

    فهل كان عصرا مر كــ غيره وذهب بغير رجعة او مازلنا نعيش نظاما جديدا محادثا عن الاقطاعية والرأسمالية والبرجوازية مجتمعة معاَ

    دمت بود وليد مع احترامي

  2. mhmad :
    تحية أخي محمد … واضحٌ نظرك الثاقب للسطور و مابينها … الله يحميك ….
    لم يتغير شيء … في جواب عن تساؤلك …. سوى الطربوش .. و بقي الرأس هو … هو
    تحية ود

  3. تعقيب: يوميات مدينة منسية ….. ( 3 ) | مدونة وَلــيدْ شـّام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s