سلامات …. رفيق ( 2 )


712250

عاد الهدوء للصالة … فقط .. بعد أن توقف أبو يعرب عن الضحك , لملم فليحان خجله النادر .. فالخجل عند فليحان و كما عند أغلب الحضور .. لا يختلف تواتره على وجدان صاحبه , عن تواتر زيارات مذنب ( هـالي ) للكرة الأرضية . كانت هذه احدى المرات … تمنى فليحان لو أن الأرض إنشقت و إبتلعته مع كامل ثقته بأن حتى الأرض لا تهضمه و سوف تلفظه من جوفها لفساده و سوء أعماله و رائحة مؤامراته الدنيئة .

مع ضجيج الضحكات المنبثقة من أرجاء الصالة تذكر  فليحان  كيف ضحك عليه زملائه في المدرسة عندما سأله مـّـدرس القرية ذات مرة : ماذا تعرف عن هارون الرشيد …. أجابه وقتها بأنه رجل ( كويس ) و صاحب كازينو و مقصف الرشيد الواقع جنوب غرب المدينة بجانب الدوار .. هكذا كان يسمع من أبيه و أصدقاء أبيه في مجالسهم الخاصة ؟؟؟؟؟ .

وقتها قال له المدرس : إسمع يا فليحان .. إذا أصبحت تفهم في يوم من الأيام بمقدار نصف فهم تـيّس الحاجة ( زنوبة ) .. سأتبرع بنصف راتبي و لمدة سنة لإطعام كلاب القرية … و هذا وعد أقطعه على نفسي رغم فقري و طالما أنا على قيد الحياة !!!!

المــّدرس أذكى من أن يقطع على نفسه وعداً كهذا , لولا ثقته بأن فليحان لن يغلب تيس الحاجة  زنوبة  فهما . يقول أحد زملاء الدراسة في تلك الفترة و يعرف ( فليحان ) بشكل جيد .. بأن مقارنة المــّدرس أجحاف كبير و ظلم بحق التيس …

يستدرك فليحان قائلاً و متصنعاً الحذاقة و الفهلوية : أيها الرفاق .. أحببت أن أضيف بعض المرح لهذا الشمل المبارك … صفقّ له الجميع نفاقاً .. فكلهم يعرفون بأنه في الخطابة و الفصاحة ( كـّـديش خالص ) … لكنه يبقى أفضل متكلم في الصالة … إذا إستـثـنينا الرفاق الجالسين بجانب أبو يعرب و المقصود أصحاب الصف الأول في الجهة اليسرى من الصالة .

بعد هذه السقطة .. قـّـلب فليحان أوراقه مسرعاً , متجاوزاً كل الصفحات التي تحتوي على كلمة بقر و ثيران خوفاً من ثانية .. تليها ثالثة ثابتة …

يقول أحد الخبثاء الجالسين في الصفوف الخلفية لجاره … على مايبدو ترك ( لويحان ) الحديث عن الثيران و البقر بهذه الطريقة …. لأسباب عائلية بحتْ ؟؟؟ هـّز جاره رأسه موافقاً على هذا التحليل المنطقي … و ( لويحان ) هو اسم فليحان بين رفاقه … بالطبع مشتقة من كلمة ( لوح ) … للعلم أغلب الحضور لهم اسم ثاني … بمجرد أن يغادر أحداً منهم جمعاً ما , حتى يتناولونه به …. الإستثناء نادر … تابع أصحاب ( لويحان )  مع الحشد إنتقاله لأول صفحة تحتوي على كلمة دجاج ….

يتابع خطابه : بالنسبة للدجاج .. فالحقيقة الدجاج الفرنجي أقل إنتاجا لمادة البيض من دجاجنا و بكثير . لكن اللحم أطيب و الفرق شاسع , و حسب ما فهمت من الرفاق القاطنين في تلك البلاد … إن هذا يعود لأنهن مدلالات جداً ( أي الدجاجات ) و أنا بصراحة و بعد أن إطلعت شخصياً على حياة الدجاج الفرنجي . أصبحت من محبيّه و مؤديه , فهو أطيب مذاقاً و أقل ( تكلفه ) مقارنتاً  من مثيله المحــّلي . عيبهن الوحيد يقول فليحان , هو إعتيادهن السهر حتى ساعات الفجر الأولى …. بعكس دجاجتنا اللواتي يعْشيّن  باكراً , و ينمّن  عند غروب الشمس  …. كاد أن يقول : حتى قبل إنتهاء مسلسل السهرة …

أنهى فليحان كلمته بسرعة خوفاً من سقطة كلامية غير متوقعة كما الأولى … مـّذيلة بمزيد من التحيات لأبو يعرب و أعضاء المجلس العالي و الرفاق الجالسين في الصف الأول …

يتقدم مدير الحفل الرفيق ( هرموش السايب ) من مكبر الصوت قائلاً : الكلمة الآن للرفيق ( عبدو سحلب )

عبدو سحلب … أنهى دراسته الجامعية في كلية الخضار و الفواكه البـّريـة , تخرج منها مهندس فستـق و قرنبيط …

يحمل شهادة الماجستير بدرجة إمتياز عن بحثه (( فستـق حلب .. من جبلة إلى الرقة شي ناهي و عـّز الطلب )) و قد توسع ببحثه ليشمل خطة زراعية – صناعية متكاملة تبدأ من إستخراج الزيت من بذور الفستق حتى صنع العلف من مخلفات الفستق المعصور ….

لهذا التاريخ العلمي الزراعي المميز , و بإجماع شبه كامل لأعضاء مجلس التخطيط و التوظيف … تم تعيينه مديرأ عاماً لمعمل الكابلات و الأسلاك الكهربائية و التلفزيونية !!!!! .

وقتها إعترض أبو العـّز لهذا التعيين … إذ أنه و حسب وجهة نظره لا يوجد قاسم مشترك بين إختصاص عبدو سحلب و صناعة الكابلات .. فإقترح تعيينه مديراً عاماً للمسرح الوطني و البرامج التلفزيونية و الإرشاد النفسّي و المعنوي

في ذلك الإجتماع تساءل الرفيق أبو الفكر … و هو رئيس مجلس التخطيط و التوظيف … عن الفرق بين { فستق حلب …. و فستق السودان } ….

يقول ( ديب اللعـّيب ) مجيباً   : أعتقد مولانا … أن فستق حلب عبارة عن ( جوزة بخــّرج ) … بخلاف فستق السودان فهو ( جوزتين بخرج ) يعني  جلب !!!!!!!!

ضحك أبو الفكر و قال : ( ولاكْ ديبو …عكروت ) صاير تفهم ( ولاكْ ) ,  إسمعْ .. خليك ( هيكْ ) لربما بالتعيينات القادمة … تصبح مديراً عاماً … لمؤسسة ( ثقيلة ) .

ديب اللعـّيب – حالياً أمين سر في مجلس التخطيط و التوظيف الأعلى .. من الناحية   الأخلاقية  هو شخصية عصامية .. أنشئ أخلاقه بنفسه … بمعنى  ( ترباي شوارع ) .. ترك المدرسة في المرحلة الإعدادية وقبل إنهائها .

من أشهر إنجازاته في تلك المرحلة .. أنه تسلل ذات يوم و قبل نهاية الدوام بقليل .. إلى دورات المياه و قام بفتح ( حنفية خزان المازوت ) المركون في زاويتها , و فر هارباً  ليكتشف المستخدم ( أبو طيفور ) صبيحة اليوم التالي بأن ( المازوت ) قد أعادته أمه الأرض إلى باطنها متشربتاً إياه , فقضى زملائه تلك الشتوية و كذلك المــّدرسين دون تدفئة .

كما أنه قام ذات يوم , خارج الدوام الرسمي , و بعد أن قفز من فوق سور المدرسة بخلع كل صنابير المياه فأصبحت باحة المدرسة .. أشبه ببحيرات البط  و الأوز البري . و لعدم وجود رصيد من ( وزارة السبورة و الطبشورة )  قام المستخدم أبو طيفور بجمع عيدان خشبية , لملمها من هنا و هناك  و حشرها طرقاً بمواسير المياه و أغلقها تماماً , فقضى الطلاب سنتهم بلا صنابير ماء .. ربما و إلى الآن .

أما إنجازه الأهم … فهو ( تـشـّطيب ) وجه مــّدرس اللغة الفرنسية بـ ( موس كــّباس ) لا يفارق جيبه حتى وقت النوم وذلك بعد أن ( بهدلهُ بهدلة الكلاب ) أمام زملائه ..  لأنه لا يكتب وظائفه و فروضه اليومية منذ بداية السنة .

مما إستدعى فصله من المدرسة , و ملاحقته لمدة طويلة من قِبل الشاويش أبو تحسين رئيس مخفر الدرك في ذات الحـّي , حتى قبض عليه و أودعه سجن الأحداث لمدة تزيد عن الشهرين و نصف الشهر …

قبل إنضمامه لمجلس التخطيط و التوظيف كان يُعـّـد ثالث أشهر لاعب كشتبان في المشرقين … حائز على عدة براءات إختراع في هذا المضمار …

منها إستخدام أربع ( كشتبانات ) بدل من ثلاث حسب أهل الخبرة .. كما أنه و بشهادة كل أصحاب ( البـّرتيات ) المخضرمين .. أصغر من لعب القــّمار في البلاد … و ربما البلدان المجاورة .

عن بداياته … و نقلاً عن أحد المقربين منه … بأن ديب اللعـّيب … في شبابه .. كان يتمركزعادة أمام باب أحد النوادي الليلة , واضعاً أمامه عدة الشغل ( سـّحارة بندورة خشبية , و ثلاث كشتبانات , و علبة مرتديلا فارغة مخصصة لقطع النقود المعدنية ) .. و شيء ما ملفوف بكيس ورقي .. غالباً زجاجة !!! .

المهم خرجت ذات مرة الراقصة ( دوزا ) مّسرعة و من خلفها أحد مخاتير المال الحرام  السكارى … فتعثرت بصندوقه و إنكبت على وجهها … لولا أنه أمسكها قبل أن تقع على الأرض و أسندها على كتفه , بصراحة كان يخشى على صندوقه و ( الفراطة ) الموضوعة بعلبة ( المرتديلا ) الفارغة !!! …

لم تنسى ( دوزا ) صنيعه … و فعلاً … ردت له الجميل بأول سهرة لـ ( أبو الوفا ) في ذلك الكازينو إذ سرعان ما قام بتعيينه ( باش كاتب ) المجلس إثر ليلة توصف بأنها حمراء مصحوبة بغمامة دخان زرقاء .

نتابع … لم يبقى عبدو سحلب  مديراً لمعمل الكابلات لمدة طويلة ….. إذ أنه و بسبب سفر الرفيق ( دحيس المسطرة ) المسؤول عن تخطيط المدن على رأس بعثة ( أولمبية ) لخارج الدولة للمشاركة في منافسة دولية معروفة , مع العلم أنه لم يكن رياضياً و لا يـّميز بين كرة السـلة و كرة الطاولة , فالعمل الرياضي الوحيد الذي كان يتقنه , هو إعتلاء ظهور الحمير و الـكـّـدش أيام الصِبـّا و نصف الشباب , بالإضافة للجري الطويل , بعد كل سرقة لدجاجات أهل القرية ليالي الخميس , ليبعها صبيحة اليوم التالي في سوق الجمعة و بنصف ثمنها .

لكن و حسب العُرف , لابد من وجود شخصية بمرتبته التخطيطية على رأس هكذا وفد رياضي , فيما بعد و لعدم إحتجاج  الجمارك  ( إلا تسعين مرة خلال عام ) على وجود مواد مهربة بحوزة الوفود , وليس كما حدث مع الذين سبقوه و التي كانت تعد بمئات المرات , و لهذه الأسباب و أسباب أخرى  جعلت منه رئيساً دائماً للبعثات ( الأولمبية ) .. فكان لابد من تعيين الرفيق عبدو سحلب محله .. أي المسؤول الأول عن تخطيط و هندسة المدن ….

لم يــّكذب خبراً , إذ سرعان ما وضع كل علمه و خبرته في مخطط المدينة الأساسي الذي أشرف عليه بنفسه … و كانت النتيجة كما هو متوقع تماماً … شوارع متداخلة ( فايته ) ببعضها البعض .. تشبه كثيراً الشجرة ما عدا الحـّي الغربي و المسمى ( حارة رفاق علي بابا ) .. فهو أشبه بشجرة ( اللوز المــّر )  . أما الساحات يمكن القول بأنها معجزة هندسية تفوق حدائق بابل المعلقة تخطيطاً… غير أنها على الورق , فجميع مخططاتها و أوامر تنفيذها معلقة في رفوف المكاتب العليا , بإنتظار رصيد لن يتكــّوم أبداَ .. لوجود إنثقاب بأسفل الــُخـرج ……. يزيد عن ثقب الأوزون إتساعاُ بمّـرة و نصفْ .

سافر الرفيق  عبدو سحلب  بصفته مترجماً للبعثة …. ليس إلاّ … و نقلاً عن مصدر رفض الكشف عن اسمه رافق البعثة .. بأنه و بمجرد أن رأى شوارع تلك المدينة التي نزلوا فيها , كيف هي مستقيمة واسعة , مظللة بالأشجار و خالية من الأتربة و النفايات  , مزنرة بأرصفة عريضة و واجهات أبنية موحدة … دخل في كآبة لمدة يومين لم يغادر بها غرفته في الفندق …. لولا تــدّخل أحد الطلبة المبتعثين إلى تلك الدولة … الذي زاره برفقة ( ناتاشا ) و صديقتها الغنوجة ( لوليتا ) ….

على إيقاع أرداف ( لوليتا ) خرج صاحبنا من الكآبة فوراً … ليتحف القوم بعدها  بأقواله الشهيرة (( وراء كل خبير عظيم ….. لوليتا )) … و (( أعطني لوليتا …. أعطيك عمران بلدي )) و (( لوليتا باليد … و لا أربع زوجات مع أولادهن بالبيت )) … (( التطور الي يجيك منو ريح … حط لوليتا بمحله … و إستريح )) ….

مواضيع ذات صلة : سلامات … رفيق ( 1 )

الصورة

Advertisements

8 تعليقات على “سلامات …. رفيق ( 2 )

  1. هالموديلات مو غريبة علي.. يمكن شفت هكذا أشكال عندما ذهبت للسياحة في جمهورية رواندا و بوروندي.. أو ربما مدغشقر؟!

    ظريفة جداً!!

    تحياتي أبو خالد

  2. هلأ قبل السلام و الكلام بدي حقوقي الفكرية و الجيبيّة ( وزارة السبورة و الطبشورة ) !! المسأله ما بتتحمـّل بنوب !!

    أمـّا بعد فخليها بالكيس تسبح و لا تطلع لبرّا و تغرق !!

    عوجا ..

    تحيّة كبيرة إلك صديقي : )

  3. ياسين :
    مراحب و ألف ياسووو … أنا متأكد أنك ملتقي ببعضهم و ماشي بـ حارات البعض … يا أخي داير نص أفريقيا ؟؟؟؟

  4. طبشورة :
    مراحب … طبشورتنا العزيزة … أي و الله طلب حق .. أنا جاهز … حددي مكان و زمان لمحامّي المدونتين .. لحل الخلاف ودياً … مع الإقرار مسبقاً بحقوق مدونة (( طبشورة )) بالعلامة الفكرية … لهذه الكلمة و ما يتبعها .. من سبورة و غيرها
    يعني كم طبشورة عندنا

  5. تحية عجولة جدا ً ..
    كنت بانتظار هذه التتمة
    ولكني مضطر للمرور بعجل لذلك أعود قريبا ً …

    تحياتي رفيق 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s