التسول – ظاهرة مستفحلة …. و لا مبالاة طاغية


تسول 4

لاتخفى على عين و أذن .. ما نصطدم به في حياتنا اليومية من وجوه , وعبارات مستجدية متوسلة , زاد تواترها في الآونة الأخيرة بشكل مضّطرد , حتى بات من الصعب عدم ملاحظتها للمار في شوارع مدننا الحبيبة ..

من مال الله , من أجل النبي , الله يحمي أولادك , الله يعطيك …. و غيرها الكثير الكثير من الجُمل و عبارات الإستجداء التي تفنن بها أهل الحاجة , و الكار معاً , من مـّد و مـّط .. و سـّحب و جـّر , ترافقها أحياناً بعض الحركات كـ شـّد الكًم و الذراع و أطراف السترة أو البنطال . ربما قد تسمع شتائم  بصوت خفيض في حال لم تدخل يدك إلى جيبك باحثة عن بعض القطع النقدية لتسكت بها إلحاح صبي أو فتاة .. أو حتى بالغ .

أما عند أبواب دور العبادة فحـّـدث و لا حرج .. أطفالٌ مكـّومون ككتل لحم مرمية بغير ترتيب و لا تنسيق , يظهر من أجسادها أكثر مما أخفت أشباه الثياب و الأقمشة … أغلبهم نائم نتيجة جرعة شراب منوم , أو تراه يلعب بثياب أمه غير بعيد عنها و يتعلم أصول المهنة بعمره المبكر فالعلم في الصغر كالنقش على الأرصفة ؟؟؟ .

قد تشاهد عَلب أدوية فارغة و غالباً غير منسجة مع بعضها للعين الخبيرة ؟؟؟.. أو ( وصفات طبية ) أكل الزمان عليها و شرب … ربما تحاليل طبية .. صور شعاعية … تقارير صحية .. أوراق ممهورة بأختام رسمية … جوازات سفر … و كل ما يخطر ببالك تجده مبرزاً بوجهك بشكل متوازي مع إيقاع الإستجداء لزيادة الإقناع .

كــّنا و في زمن غير بعيد , و أنتم معي على ما أعتقد , نشاهد بين الفينة و الأخرى رجل عجوز أو امرأة تطلب لـ لقمة الخبز . أما الآن أطفال بأعمار مختلفة .. شباب – صبايا – رجال أقوياء الشكيمة – بلباس رث – بلباس جديد و ذقن حليق و غيره و غيره …. إختلط علينا الأمر كإختلاط بقر قوم موسى .. لم نعد نتبين الصالح والمحتاج منهم من الطالح و المخادع .

لا شك بأن للسياسات الإقتصادية الأخيرة دور في إستفحال هذه الظاهرة بجانب ظواهر كثيرة مرتبطة بشكل مباشر بالوضع الإقتصادي للبلد و متوسط دخل الفرد …. لا سبيل للخوض في غمارها الآن . فقط على سبيل المثال إختارا مهندسي السياسة الإقتصادية عندنا التوقيت الأكثر ضرراً عندما إختاروا توالي عدد من السنين العجاف ليقوموا برفع أسعار المحروقات ؟؟؟ هكذا و بكل بساطة , إستيقظ المزارعون صباح أحد الأيام ليجدوا أسعار المحروقات قد تضاعفت , و قبل أن يفيقوا من الصدمة .. ليتلقوا نبأ إرتفاع الأسمدة هي الأخرى , و أيضاً بأضعاف مضاعفة , فقضوا على آخر الصامدين بوجه قسوة الطبيعة …

تُركت الأراضي و الغيطان لتعبث بها الريح و تهل بالأتربة على المدن و القرى بلا هوادة و لا سكنية , وهجرها الكثير من أهلها و العاملين فيها إلى المدن يتسولون عمل أو شبه عمل , ما كانوا ليفكروا به أبدا, و ليزيدوا عبء سكان المدن على عبء , و الذين يعانون أصلاً من إنخفاض ملحوظ بمستوى حياتهم المعيشية و ضنكها و ضيق ذات اليد .

و سوف أتناسى هنا.. الضيوف الأعزاء من الأقطار العربية الأخرى , و هم في الحقيقة ليسوا بضيوف بل إخوة أشقاء لنا في الســّراء و الضــّراء , و دائماً هم كذلك إن شاء الله , و عسى الله أن يفك عنهم كربهم و معاناتهم .. و يعودوا لأوطانهم سالمين غانمين و لا أحملهم بالطبع مسؤولية التسول – الظاهرة , إنما ورد ذكرهم كجزء من منظمومة إجتماعية – إقتصادية تتبع وطننا الحبيب لا يمكن إقصاءها .

نعم بيننا متسولين كما في كل بلاد الدنيا , و بلا إستثناء , لكن ألم تلاحظوا أنه في الآونة الأخيرة زاد العدد بشكل كبير جداً و ملفت للنظر ؟ . بل و هناك من جعل منها مهنة لا تحتاج لرأسمال , اللهم إلاّ سحب الحياء و تجفيف ماء الوجه و مجموعة من الألبسة الرثة الغير متناسبة من حيث المقاس لجسد مرتديها , و الإبتعاد ما أمكن عن بدعة الحمام و الإستحمام و الماء  و مواد التنظيف . بالإضافة  لبعض العبارات و الحركات التي لا تحتاج لمهارة كبيرة لمن أراد .

أوليس هناك وزارة مختصة تسمى ( وزارة الشؤون الإجتماعية و العمل ) أما هي مجرد اسم بلا مضمون .. أو إكتفت الحكومة الموقرة بالأصوات المتضامنة و المتعاطفة التي ترتفع من هنا و هناك من بعض شخصيات المجتمع كالفنانين و غيرهم و السلام . هل المؤسسات الإجتماعية المختصة تأخذ الأمر على محمل الجد و المسؤولية ؟ أم تنتظر معجزة على حدود الألفية الثالثة قال عنها المنجمون كذباً و لو صدقوا  .

و كذلك الأمر منوط بالجهات المختصة لملاحقة الفئة الشاذة التي إمتهنت الخديعة تحت تسمية التسول و الحاجة … و هي لم تعد بالقليلة … و ربما تفوقت على المتسول – المحتاج  و التي ستشكل خطراً كبيراً على مجتمعنا الآمن إذا لم نتدارك الأمر و تتكاتف كل الجهات المعنية حسب إختصاصها لمكافحة هذه الظاهرة .

أخيراً : هل هناك دراسات فعلية حول هذه الظاهرة ؟؟؟ و هل من خطط جادة و حقيقة للحد من تنامي هذه الظاهرة .  و إذا كانت الأجوبة بنعم ؟!. فمتى البدء بإيجاد الحلول لمن يرزح تحتها !!! قريباً جداً …. هذا ما نأمله

الصورة

Advertisements

16 تعليقات على “التسول – ظاهرة مستفحلة …. و لا مبالاة طاغية

  1. ذكرتني بتتدوينة قديمة لي عنهم
    واسميتها الشاحذون الجدد

    ومن اسوا نتائج هذا الظاهرة هي قتل الاحسان لدينا بحيث
    لا احد يعطي ولا احد يحاول ان يعمل شيئا…

    مودتتي الك……

  2. لك آآآآآخ يا وليد ، شو بدي يحكي الواحد ليحكي .. كل ما نذكر موضوع التشرّد بتذكر طفلة صغيرة بباب توما بالشام ، عمرها شي خمس سنين تقريبا ً ، مسكتلي ايدي و ضلـــّــت ماشية معي فترة منيحه و انا ما معييي فراطه إضافة إلى اني بشوف انو ما لازم الأطفال الصغار ينعطاهم مصاري ، وصلنا لعند فرن خبز و كانت معي احدى صديقاتي و عرضت عليها تشتريلها شي تاكله بدل ما نعطيها المصاري ، بهالأثناء هي هربت البنت !!
    مابعرف بالضبط قديش من الخوف في بحياة هالأطفال و قديش معتمدين على أنـّو نبني مجتمع بأطفال ما بعرف شو عم يتركهم بالشوارع لياكلهم الخوف قبل الجوع ..

    تحياتي وليد و متل العادة حطيت ايدك عالوجع 🙂

  3. شام :
    بالضبط أيتها العزيزة .. سلاح الإحراج أمض من حد السيف في عالم التسول , و بالفعل يخترن ( الصبايا الحِسان ) و يلتصقوا …. و يا ويلها من ليس لديها ( فراطة ) كما حدث معك … ستكون محطة مميزة في ذاكرة الصبية …. لن تنساها بسهولة
    أطيب تحية صباح …

  4. ربما بات التفكير في إيجاد مخرج لهذه المشكلة عن طريق الجهات الحكومية المسؤولية يعد أمراً خيالياً لا حاجة لنا بتضييع وقتنا والتفكير فيه..
    ربما كأفراد أو كجماعات تطوعية بإمكاننا أن نوجد حلولاً أكثر فعالية من تلك التي تطرحها الجهات الحكومية المسؤولة – إن فعلت .
    و تبقى فئة المتسولين الأطفال ( و الأطفال فقط ) جرحاً اجتماعياً مؤلماً للجميع.

    تحية

  5. ريم :
    الواقع العملي .. يقول بصوابية رأيكم , لكن حجم المشكلة أكبر من أن تتحملها الجهات الشعبية لعدم إمتلاكها لكثير من الأدوات , و منها سلطة فرض القانون أو الإجراءات المناسبة على بعض المتسولين , أو المتخذين التسول مهنة .
    تحيات

  6. الحقيقة هذا الموضوع يؤثر في نفسي.. أحسست بالتأثر بشدة في الزيارة الأخيرة لسوريا..

    لا أعلم إلى أي درجة ينتشر النصب و الاحتيال, قد يكون شاملاً أو شبه شامل لظاهرة التسوّل.. لكن هناك ضحية أساسية و رئيسية: الأطفال!! إن كان تسولاً لفقر حقيقي أو للنصب فالطفل هو الضحية الأولى و الأخيرة.. و من المؤسف أن تُحرق طفولة إنسان هكذا.. هذه مسؤولية وزارة اسمها الشؤون الاجتماعية و العمل.. فاشلة في الشؤون الاجتماعية, فاشلة في العمل.. و فاشلة حتى في تزوير تقارير “حسن عملها”.. ربما هذا الفشل “من وحي الجو”.

    تحياتي

  7. مراحب ياس :
    و تزداد الظاهرة حدة … و تزداد معها ظواهر – لا تسر مُحب … أعاننا الله على ما يحدث و على ما سيحدث …
    بحفظ الله أبو محمد

  8. بعد إذنك أخي اعتبرني خيك الزغير ما ظل معي فلوس وأنا
    من بلد تاني فممكن مساعدة ؟؟
    أحدى الصيغ التي كثيرا ً ما تدق مسامعك إذا قررت
    التسوق في أحد شوارع العاصمة دمشق والغريب فعلا ً
    أنك تسمع بأن هناك منظومة تدعى شرطة السياحة وهي
    من يندرج تحت اختصاصنا ملاحقة تلك الفئة من البشر
    إلا أن حدود معرفتك بهم تتوقف عند حد السمع بهم فقط ..
    ويروي البعض عن هؤلاء الأشخاص المتناثرين بين هنا وهناك
    بأنهم محميون من قبل شخصيات أخرى كما يقال _ إلها دخلاتها _
    وهذا ما يجعلهم يعملون _ اللفظ مجازي _ بحريّة دونما وجل ..
    هكذا يقال والله أعلم .
    الموضوع فعلا ًَ يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار من قبل المسؤولين .

    لك الخير صديقي ودام عزك

  9. لقد أصبحت مهنة وقد صورها عادل إمام في أحد أفلامة وأعتقد أن مخرج الفيلم لم يفتري على المتسولين والأطفال منهم بحاجة الى ملاجئ تعاملهم كبشر ولكن يبدو أنها راقت للكثيرين وصار لها شيخ كار تحياتي لك 🙂

  10. مراحب حمزة أفندي :
    الحقيقة تزداد الإبدعات التسولية تقدماً و تعقيداً … و نأمل بمتابعة من السيدة الحكومة .. فقد بلغ سيل التسول الزبا
    تحية و أكثر بكثير

  11. مسيو حسام :
    بالفعل أخي حسام .. مهنة مربحة جدا … يكفي من دون رسوم و ضرائب و لا حتى رفاهية … و الرأسمال بسيط … قلة حياء و هدر كرامة
    تحيات .. عطرة

  12. بزماناته احد الاصدقاء جربها من باب المغامرة طلعت الغلة 600 ليرة يومية يعني بالشهر 18000
    مربحة الشغلة ولسا الها مواسم
    اشتقنالك وليد بيك وسلملي عطارق

  13. رجل من ورق :
    مراحب مليونية أيها العزيز … مني و من طارق و من الرقة كلها لك سلام … بحمى الرحمن أينما كنت و حللت … و من تحب و تود

  14. الواحد لازم يكون عندو كاشف كذب مشان يعرف لمين يعطي ولمين مايعطي
    إذا واحد حابب يعمل خير الحاجة أم الإختراع يخترع آلة أو أسلوب يكشف من خلاله الكذب و الصدق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s