الحمار …. المقدس


حمار

أطلق اللص ( سنحور ) ساقيه للريح بعد إفتضاح أمره , إذ رأه رجل من قرية مجاورة سبق و أن سرق منه سنحور نصف كيس من العدس … و دجاجتين منذ فترة ليست بالبعيدة !!!!
إندفع سكان القرية خلفه بشيبها و شبابها و أطفالها محاولين الإمساك به … و تأديبه على طريقتهم الخاصة ؟.
غير بعيد عنه و ما أن رأى ( دعدوش ) رفيقه هارباً خارج القرية حتى ترك قطعة القماش التي كان يقلبها في محاولة منه لخداع صاحب المتجر البسيط و الإحتيال عليه , و ركض خلف زميله لا يلوي على شيء و قد بدت تتساقط من جيوبه الواسعة جداً , أشياء صغيرة و نصف كبيرة كان قد إحتال على أهالي القرية البسطاء و سرقها منهم في صباح هذا اليوم المشرق .
لخبرتهم الطويلة في عالم اللصوصية و مايلزمها , من خفة و رشاقة , لم يستطع سكان القرية اللحاق بهما , إذ غابا بلمح البصر عن أعينهم خلف التلال الصغيرة المطلة على القرية و الموازية لشاطئ النهر .

*****************************

إنتظروا !!!! هناك من يتتبع أثرهم بحنكة و دراية … أنه حمارهم العجوز الوفي … إعتاد الحمار المسكين على صاحبيه لطول المعشر الذي بينهم .. فعندما شاهدهم يهربون .. جرى خلفهم بحمله دون أن يثير شكوك و ريبة أهل القرية … المنشغلين عنه بمطاردة اللصوص
جلس صاحبانا على ضفة النهر و قد أسنادا ظهريهما على كومة كبيرة من الحصى ليلتقطوا أنفاسهم … ينظران إلى الماء بشرود و تفكـّر , دون أن يتكلما , حتى أنهم نسوا حمارهم المخلص لولا أنه نهق عالياً معلناً وصوله , ففزعا من صوته حتى كادا أن يموتا رعباً .. نظرا إليه , و بدا سنحور بسّبه و شتمه , و أخذ يرميه بالحصى المتناثرة في كل مكان , قبل أن ينهاه شريكه قائلاً .. دعه ؟؟؟ أتعاقبه على إخلاصه لنا و إحضاره حمولة لم نستطع أنا و أنت النجاة بها ..
غمغم سنحور و هز رأسه موافقاً صاحبه و عاد إلى صمته …
قال دعدوش لصاحبه : أرى يا صاحبي بأننا قد كبرنا و تقدمنا في السن و لم نعد نستطيع القيام بعملنا كما في السابق .. و بينما هو يتحدث , إذ به يخرج علبة تبغ معدنية من جيبه .. كان قد سرقها من المختار عندما زاره في بيته , ما أن ناوله المختار علبة التبغ تلك ليصنع منها لفافة …. حتى عزفت أصابعه المدمنة السرقة لحناً على وتر إختصاصها .. فتابع مع المختار حديثاً حول فتاة جميلة – وهمية لا وجود لها مستفزاً غرائز المختار العاجز عن أداء واجبه الزوجي .. مما جعله يغفل أصابع دعدوش الماهرة في إخفاء بعير في قبعة رأس صغيرة . بتخيل تلك اللا فتاة الجميلة القابعة في خياله لوحده دون العباد .
رمى علبة التبغ لصاحبه ليصنع لفافة منها … و تابع سنحور قائلاً … يا صديقي لقد ذاع صيتنا في كل القرى المحيطة و بتنا معروفين للجميع … و الحقيقة لا أملك أي فكرة عما سنصنع بأنفسنا ؟؟؟ وافق دعدوش صاحبه الذي دلس علبة التبغ في جيبه … لولا النظرة الحادة التي تلقاها من صاحبه و كأنه يقول له أتسرق سارق مثلك … إبتسم سنحور إبتسامة ماكرة بخليط من المزاح المصطنع و أعادها لرفيق دربه قبل أن يثير غضبه … و يحدث ما لا يحمد عقباه .
عادا للتدخين و النظر بإتجاه النهر و رمي الحصى بين الحين و الآخر ..

*****************************

فجأة دوى نهيق الحمار بشكل عجيب , مما جعل صاحباه يقفان مذعوران على قدميهما و قد إرتعدت فرائصهما خوفاً و رعبا .. و إذ بالحمار المسكين قد إستلقى على جانبه و أخذ يحرك حوافره في الهواء .. و لم يطل الأمر كثيراً إذ سرعان ما سكن و همد جسده … و إلى الأبد .
جرى دعدوش نحوه .. و حاول تحريكه بلا فائدة .. نظر إلى سنحور قائلاً .. لابد أن هذا يوم نحسنا .. كدنا أن نقع في أيدي أهل القرية القساة , و الآن حمار عمرنا العجوز قد نفق … يا لهذا اليوم المشؤوم .
بدأ اللصان تخليص حمولتهم من ظهر الحمار النافق و جروها إلى حيث كانوا جالسين و قد إزدادوا بؤساً … و كمدا على كمد .
مرة ساعة و هم على هذا الحال , أما الشمس فقد أعلنت منتصف النهار .. و إذ بدعدوش ينهض واقفاً و يقول لسنحور هيا ساعدني …
بماذا .. قال سنحور ..
سندفن الحمار !!!
ماذا .. أجننت يا رجل ؟؟؟ رد عليه … هل من عاقل يدفن حمار
قال : نعم !!! نحن ..
لقد سرقت هذا الحمار و هو ( كرّ ) صغيراً من حظيرة الباشا … و قال لي والدي قبل ذلك بكثير , أن الباشا و حميره ذوي حسب و نسب و كلاهما يعود إلى سلالة مقدسة … لكنك لن تعرف قيمة حمير الباشا حتى تموت ؟؟؟
و طوال السنين العشرين التي مضت لم أفهم مقصد والدي و لا , إلى ما رمى إليه …
أما الآن فا أعتقد بأنني قد فهمت !!! ساعدني و سأشرح لك أثناء عملنا ..
نهض صاحبه لمساعدته هازاً رأسه غير قانع بتصرف صديقه .
إنتهى صاحبنا من دفن حمارهم عصراً .. و هنا بدأ دعدوش الشرح :
غداً سنبني حول قبر الحمار جدران و سنصنع له سقفاً مؤقتاً من أغصان الأشجار و سنعلن أنه قبر (( المقــدّس فانوس … المضيء )) ..
فعلاً بدأ اللصان بتنفيذ خطتهما .. و إتفقا على إطالة لحاهم و ذلك بعد أن لبسا ثياب بلون أبيض و لفائف ضخمة على رؤوسهم .. فضربا عصفورين بحجر واحد .. أخفيا وجوهم التي باتت معروفة للناس و منحا نفسيهما صفة خدم قبر المقــدّس فانوس المضيء ..
إنتشر خبر القبر بكل القرى بسرعة كبيرة , إذ تعمدا بناء القبر على مفترق طرق تكثر الأقدام عليها … و فعلاً نجحت خطتهما .. و بدت الوفود تتقاطر إليهم من كل حدب و صوب … من تبحث عن عريس , و من يبحث عن عروس , ذاك يريد أطفال من زوجته العاقر .. رابع يعاني من مرض عجزت شيوخ القرى عن شفائه .. تاجر يريد زيادة رزقه و الخ … و بكل تأكيد لا أحد يحضر خالي اليدين … خروف من هنا , نعجة من هناك , دجاج و بيض , و حتى عجل صغير .. أموال و مصاغ تُسقط في صندوق خشبي وُضع في زاوية المكان …
مر ردح من الزمن و هم على هذا الحال من بحبوحة العيش ..و رغده . وسّعا البناء حول القبر و قاموا بطلائه بالجص الأبيض من الخارج و الداخل . و فرشوه بالديباج الأخضر و السجاد الفاخر … الذي أحضروه من المغارة التي كانوا يخزنون فيها مسروقاتهم .. و فاحت رائحة العطور و البخور في أرجاء المكان و زواياه , باعثة جو من القدسية و الرهبة في نفوس الزوار …
الزوار أصبحوا أكثر فأكثر , زاد المال و كثر الذهب و الفضة من حلي النساء التي تبرعن للقبر أملاً في تحقيق أمانيهم و رغباتهم .. أما صاحبانا فقد زادت أوزانهم من كثرة الطعام و الشراب و حسن المقام , و تحسنت بشرتهم مما أضاف الهيبة لوجوههم و الوقار .. و صار اسم المقــّدس  فانوس المضيء و بركاته على كل لسان ..
بل حتى صارت الناس لا تقسم إلاّ به … ما أن يختلف إثنان حتى يقسم أحدهم بقبر المقـــّدس  فانوس … فيتوقف الآخر عند هذا القسم – المبجل و المُهاب … هكذا سارت الحياة في تلك المنطقة …

*****************************

قبل موسم الأعياد و هو موسم يكثر فيه الزوار و الرواد و طالبي الحاجات .. فتكثر فيه بالتالي الأموال و الهدايا و النفائس … قرر دعدوش الذهاب للإطمئنان على صحة والدته العجوز و التي سمع من أحد أبناء قريته و الذي لم يتعرف عليه إذ قام بالتحايل عليه و سؤاله عنها بطريقة لا توحي بأنها أمه .. بل زائرة قديمة للمقام و أنه يفتقدها … أجابها بأنها مريضة جداً … و عزم من لحظتها لزيارتها فهي ما تبقى له في هذه الدنيا
قال لصاحبه محذراً … سيأتي قريباً موسم الأعياد و ما يأتي معه من إزدحام .. و ستكون لوحدك .. إنتبه و أحرص على الأموال التي ستتجمع في فترة غيابي …
إنتهت أيام الأعياد و فعلاً كان هناك الكثير من المال و سواه … فسولت لصاحبنا سنحور نفسه بسرقتها لوحده .. و فعلْ . حتى أنه أخفاها في مغارة خاصة به لا يعلم بها حتى شريكه
عاد دعدوش بعد عدة أيام .. و إستقبله صاحبه بالقبل و التهاني مهنئاً إياه على وصوله سالماً … و أحضر دجاجة مشوية , تلقاه صاحب المقام من إمرأة فاتها قطار الزواج عسى و لعل يمنحها الراقد تحت التراب ما تصبو إليه و تتمنى ؟؟؟؟ .
في المساء .. و بعد أن إنفضّ الناس إلى قراهم و ضيعّهم .. سئل دعدوش صاحبه .. حسناً يا صاحبي هاتِ محتوى الصندوق حتى نتقاسمه …
نهض سنحور بخفة و أحضر الصندوق الخشبي الكبير و وضعه بين يدي صاحبه العزيز و رفيق دربه , الذي إستعجل فتحه ليجده به عدة قطع صغيرة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة ..
نظراً إلى صاحبه مستغرباً و سئله ما هذا .. أني لا أرى شيئاً ..
قاله له : الحقيقة لم يحضر الناس شيئاً في هذا العيد ؟؟
كاذب و خائن … إنه عيد ككل الأعياد و لكنك سارق مخادع .. و خائن للعشرة … و قام بإتجاهه و طرحه أرضاً .. و أخذ ينهال عليه بالنعل بكل ما أوتي من قوة
هرب سنحور من تحت هامة صاحبه الثقيلة و إرتكن إلى الزاوية البعيدة .. مشيراً له بالإنتظار … حتى يلتقط أنفاسه التي كاد صاحبه أن يجعلها الأخيرة و قال :
صدقني يا صاحبي لم أسرق منك شيئاً و [[ أقسم لك بقبر المقــدّس فانوس .. المضيء ]] … أنني لم أسرق منك و لا درهم واحد ؟؟
هنا ضحك دعدوش بقوة حتى إستلقى على ظهره من شدة الضحك و طفرت الدموع من عيناه .. الغائرتان بلؤم .
و قال :  كأننا لم نخترع و ندفن المقــدّس فانوس سويتاً أيها الكلب الأجرب .. حتى على شريكك بدفنه تريد أن تحتال يا سافل .. و عاد عليه ضرباُ بالنعل بعد أن حصره في الزاوية و أطبق على عنقه بشماله و النعل في يمنيه بين ذهاب و إياب على وجه سنحور الذي ما إنفك يصيح و يستجير و يستنجد بقبر المقــدّس فانوس … المضيء … دون أن ينجده و يغيثه فانوس المضيء …. على مايبدو غادر مرقده في مهمة عاجلة .

[[ من نسج الخيال و عبرة الأمثال – مستوحاة من مثل فراتي ( دافنينوا سوا ) ]]

مصدر الصورة

Advertisements

10 تعليقات على “الحمار …. المقدس

  1. العزيز وليد ،

    أعرف هذا المثل منذ الصغر و لطالما تخيلت ُ انثنين يدفنان ” قتيلا ً ” سوية ً و يحاول أحدهم أخافة الآخر قبل أن يطالعه القول ” دافنينوا سوا ” أي أننا كلانا في المشكله معا ً ..

    الله يجيرنا من سناحير و دعاديش هذه الأيام ..

    تحيّاتي

  2. ضروري نقول انو من واقع الحياة؟ لأ مو ضروري ههههه

    ذكّرتني بواحد مسخرة من طراز المذكورين أعلاه (و أقصد بالمذكورين أعلاه: شخصيات القصة الثلاثة.. بما فيهم الميّت الحقيقي)

    أبدعت ابو خالد

    تحياتي

  3. آنسة شآم :
    عن المثل ,الحقيقة إعتقادكم كما هو إعتقاد معظم الناس و أنا منهم لفترة طويلة .. إلآ أنه و كمعظم الأمثلة السورية ذو خلفية مرحة و ساخرة .. أصل المثل عن { محتلان , حمار , مزار } أما الأقصوصة .. فلا .. و لكنك إكشتفتِ ما أرمي إليه ببعد نظر ؟؟؟
    تحيات صباح

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s