سلامات …. رفيق ( 1 )


 

J Theatre colour

وقف الرفيق ( فليحان ) من خلف الطاولة التي توسطت المنصة العالية و المشرفة على الصالة الواسعة الممتلئة حتى آخرها … في المركز الزراعي القديم .

تلمّسَ فليحان جيبه الخلفي باحثاً عن الخطبة العصماء التي كتبها له ابن أخته الناجح من الصف التاسع بعد عشر محاولات — و الذي لم يغفل أسلوب من أساليب الغش الإمتحاني إلا و إختبره بنفسه .. و يُقال حسب مصادر موثوقة بأن له براءات إختراع كثيرة في هذا المجال …

المؤكد أن معظم خطب فليحان ترقد تحت مؤخرته عند جلوسه … لذا تكون سمجة و بلا طعم …

قبل أن أنسى .. الرفيق فيلحان الفدعوس موظف هام جداً في مديرية تتبع وزارة الخيار و البندورة و روث الحيوانات بأنواعها . ..

تم إختياره  مؤخراً لترؤس البعثة المزمع إرسالها إلى جمهورية – ألمانيا الوسطى … أما سبب إختياره لترؤس الوفد – رغم تساوي الفرص و عدد التقارير و حالات طق البراغي مع أقرانه الجالسين الآن بالصف الأول من الصالة المكتظة … هو تميزه بأنه الأكثر ثقافة بينهم …. فهو الوحيد بينهم الحائز على شهادة السادس الإبتدائي من مدرسة القرية … و طبعاً بتدخل المختار – والده , مع مدير المدرسة المغلوب على أمره و المهدد بطرده من القرية – طرد الكلاب , إذا لم ينجح فليحان بن فدعوس الثاني … فهو مسمى على جده فليحان الأول …

وقف فليحان .. بقامته الطويلة و قميصه الأصفر الفاقع … و الذي يتدلى من جيبه أربعة أقلام { أحمر – أزرق – أسود – أخضر } و على أقصى يمين الجيب – فاحص كهربائي ( مفك براغي ) … و هذه المجموعة من الأقلام برزت عند بحثه عن الورقة – الخطاب … إذ سرعان ما إنسدل عليها سترة خضراء فاقع لونها … و سقط منها بنطال بذات اللون … ينظر بشغف إلى ربطة العنق الحمراء و المنقطة بنقط سوداء كبيرة … لو نظرت إليه من آخر الصالة .. لأعتقدت بأنه عربة خضار متجولة لكثرة الألوان …. أو باقة ورد كبيرة أرسلها أحد الزوار الكرام …

نقر بإصبعه الغليظ على المذياع …. قبل قراءة الخطبة … هكذا يفعل المسؤولين في العاصمة .. يقول في سره …. و أنا الآن ….. ديك … الموقف .

لم يستجب له المذياع .. يُقال بأنه هرب ذعراً من ربطة عنقه .. و في رواية أخرى هرب من العطر الزيتي الثقيل الذي أحضره له أحد … الرفاق في زيارته الأخيرة … لدولة  شوشوستان الصديقة  … و ربما الأثنين معاً .

أما في الصالة فقد تحولت همسات الحضور و وشوشاتهم إلى ضجيج واضح غطّى على نقرات فليحان على مذياعه المذعور ….

الصف الأول كان مخصص لرفاق الرحلة – البعثة … و من خلفهم إختلفت المشارب و الجهات و الإنتماءات الوظيفية ….

الهمس تحول إلى ضجيج كما أسلفت … و يتناهى للسمع بين الحين و الآخر كلمات و جُمل شبه كاملة .. يمكن إستقراء بعض الأفكار و النيـّات منها … أحدهم و زميله يّجهز مؤامرة صغير للإطاحة بـ ( فدعوس ) من منصبه كمستخدم عند المدير … و تعيين ( كرفوت الطايش ) محله … على الأقل .. الأخير يجلس معهم على الطاولة ذاتها .. في ملهى  التيس الضايع .

الآخر يهدد بأنه سيوصل أمر ما إلى أبو يعرب شخصياً …. عن طريق سائقه … أبو بدر … الصديق وقت الضيق للمتحدث

و غير بعيد و بصوت لا يكاد أن يُسمع …. تشاهد أحدهم يُري جاره مقطع – فيديو مسجل لأخرة حفلة حضرها في مربع – التيوس الجامحة …. و زميله الذي ليس بأقل كرماً منه .. وعده بعد إنتهاء الحفل سيرسل له عن طريق البلوتوث – مقطع جنسي … مميز جداً … للفنانة .. حاء – باء … يبتسم الأول بخبث للصفة المعقودة بينهما و التي سيتم نصفها الثاني بعد الحفل … بل تمنى لو إنتهت الحفلة الآن ؟؟؟

غير بعيد وعلى المنصة … توقف ( طليبان الحايث ) … و بالمناسبة هو مدير الصالة و هي خالية .. بلإضافة لعدة مناصب أخرى …. و قد تم تعينه هنا بأمر من الرفيق ( فركوش الدعسة ) لصلة القرابة و صداقة الطفولة …. التي جمعتهم أثناء سراحتهم بحمير القرية …

ركض طليبان بعد إشارة الرفيق فليحان له …. و لم يكن بأقل أناقة من فليحان .. فهو مثله الأعلى و قدوته .. و يحاول تقليده بكل شيء … و أثناء تواجده في العاصمة .. تعلم بعض الأمور من مدير الصالة هناك … ففي المناسبات … يقطب حاجبيه .. و يتصنع الغضب و السخط … يدخن بشراهة .. يتحرك بعصبية و لا يجلس .. ( يــّزور ) جميع الحضور … يتجاهل التحيات و السلامات و الإشارات … أنه ملك الصالة اليوم …… و اليوم يومه …

أوصل طليبان قابس الكهرباء و بدا كأنه يبحث عن أحد ما و أنه يقوم بهذا العمل نيابة عن مجهول … و يهز رأسه كمن يتوعد أحد ما بعقوبة … رادعة لتقصيره … فعلاً تردد صوت نقرات أصابع فليحان من خلال مكبرات الصوت …

طليبان – شخصية فذة .. فهو عالم بكل الأمور ( مسبع كرات ) … فهو سائق سابق و مخضرم لـ عربة يجرها ( كديش ) .. … و عامل ( بيتون ) قل مثله ( بـ نتع ) أكياس الإسمنت …. و سافر عدة مرات لبيروت حيث عمل هناك بمهن مختلفة …

ضحكت له الدنيا … عندما تم تعيين فركوش الدعسة .. في إدارة الروث الحيواني الطازج و المجفف .. إذ سرعان ما أصدر أمر إداري بتعين طليبان … نائب له و مستشاره الخاص …

ترك طليبان الكديش و العربة  في بيت خالته ( نص دكة ) لسعة بيتها , و كونه خبير مجرب .. تركها لوقت ( العوزة ) .. فربما يجبره الزمان للعودة إليها …  نعم تركها فقط بعد إستلامه سيارة ذات دفع رباعي … قل مثيلها في مدينته … و ربما إلى الآن .

نعود لرئيس البعثة فليحان:

لقد حفظ عن ظهر قلب كل حركات الرفيق أبو يعرب … التنحنح .. تقريب كأس الماء و النظر إليها بريبة المشكك بنظافتها … الإلتفات ببطء .. عند النظر للحضور … فهو ينظر للأسفل أثناء الكلام …

فجأة … وقف الرفيق ( هرموش السايب ) .. و الذي يجلس بجوار فليحان على نفس الطاولة التي جلس فليحان خلفها ..  بصفته مقدم الحفل – الإجتماع .. و قال :

أعتذر من الرفيق فليحان و منكم … لقد نسيت أن أقّدم لكم موجز هذا التجمع : كما تعلمون كان رفاقنا في المانيا الوسطى في زيارة للإطلاع على آخر ما توصل إليه العلم في مجال الزراعة و روث الحيوانات و قد وصلوا منذ ثلاثة أيام .. و اليوم سيشرفنا الرفاق بإطلاعنا على ما شاهدوه ..

نظر فليحان نحو هرموش بنصف عين و إنحناءة لطيفة – ممتنة لهذا التقديم …

أيها الرفاق … بدأ فليحان

يسعدني و في بداية حديثي أن أوجه تحية لأبو يعرب ….. لإختياره لي كرئيس البعثة

… يقاطعه تصفيق حاد ….

و تحية لأبو المجد …. المسؤول عن البعثات ….

…. يقاطعه تصفيق حاد …

….. و أبو تحسين … و أبو كفاح … و أبو يزن … و أبو وصال

……. تصفيق حاد …..

و طبعاً … أخونا المتواجد معنا أبو جاسم …

….. تصفيق حاد …. أكثر من سابقيه ..

يسرني رفاقي الأعزاء .. أن أقول لكم بأنه …. يرتبك فليحان .. فهذه كلمة غير مفهومة .. يقول لنفسه الحق مو عليك يا ابن أختي .. الحق على الحيوان الي طلب منك أن تكتب له خطاب … يتابع .. صدق من قال ” الولد ثلثيه لخاله ” …

يتنحنح فليحان .. يتظاهر بأنه غص … و يبحث عن كوب ماء ليبل ريقه .. ريثما يجد مخرجاً من كتابة ابن أخته .. الهيروغليفية

يترك الصفحة الأولى .. و يبدأ الثانية :

أول عمل سنطالب به .. هو زراعة و تشجير هذا الجبل الأصلع … و الذي لايصلح لشيء  عندنا , و لكنني رأيت هناك جبالهم خضراء .. و هم ليسوا بأحسن منا …. و لا أذكى … و سترون النتائج بالقريب العاجل .. فقد طلبت عدة ملايين غرسه لهذا الجبل الأصم  … هز رفاق السفر رؤسهم موافقين و مصدقين كلام زميلهم

….. تصفيق حاد ……………

أما الخطوة الثانية :

سنقوم بإقتلاع الأشجار المثمرة في المنطقة المعروفة بـ تحت النهر … و فوق النهر , و سنمنع الزراعة فيها تحت طائلة المسؤولية ….. سنوزع تلك الأراضي على جمعيات مربي الأبقار .. و مربي النحل … و رعاية السمك .. و صانعي البوظة … و سائقي الدارجات النارية و الهوائية …. لتحل محل هذه البساتين القديمة و البائسة .. ستكون فلل كبيرة و شقق واسعة .. و بيوت جميلة منسقة .. تضم حدائق و ملاعب … لأولادنا و فلذات أكبادنا …

….. تصفيق حاد جداً جداً …

أعجب فليحان كثيراً بنفسه و بدا مزهواً .. عندما لفظة ( فلذات ) .. إذ تدرب عليها الليل بطوله و رفض اللعين ابن أخته إستبدالها بكلمة أخرى …

يتابع :

عندهم البيوت هكذا ….. و سيكون لنا مثلها … على شاطىء النهر … سنشتري تراكتورات ( جرارات ) زراعية حمراء … و أخرى خضراء كبيرة … من عندهم … و سنستورد من عندهم أبقار شقراء لكثرة (( الثيران )) عندنا المولعة بالأبقار الشقراء …. إذ أنه كما أخبرني أحد أبناءنا الذين يدرسون هناك … أنه بتزاوج ثيراننا و أبقارهم … سيظهر جيل من (( العجول )) الهجينة … التي تأخذ البكالوريا من أول مرة …..

ساد القاعة صمت تام … ثم إنفجر الحضور  بالضحك ….

على مايبدو خرج فليحان عن النص .. و بدأ يتحدث عن إبنه و الذي يلقبه دائماً بـ (( العجل )) و أنه طالع على أمه (( بقرة خانم )) …

للحديث بقية ………………. ؟؟؟؟

 

 

الصورة

Advertisements

11 تعليقات على “سلامات …. رفيق ( 1 )

  1. كأنو الرفيق فليحان نسي يحيي أبو نضال وأبو جهاد وأبو العلا …

    رفيق وليد تحياتي إلك ..
    ولنا عودة لنكمل البقية .

    تحية غيور

  2. حمزة :
    شكراً للمرور كابتن .. إن شاء الله ما يزعل منا أبو العلا …إلاّ أبو العلا …
    تحياتي الطيبة

  3. هناك نمطية رتيبة جدا في اسلوب الكتابة…هذا الاسلوب السوري الناقد المستلهم من مرايا وبقعة ضوء وقليل من الدغري عن رواية زوبك لعزيز نيسن..
    كنت اتمنى لو انك استطعت ان تبهرني بنص خارج عن المألوف لكن ما هو الا تكرار لاسلوب ساخر اعتدنا عليه من كل المدونين السوريين الحاليين…
    وتقبل نقدي

  4. حسان :
    نقد .. مقبول و متقبل بصدر واسع – رحب دائماً , و لا أملك إلا أن أحترم رأيكم … و رأي الأخوة جميعاً … للتذكير أنا مدون و لست كاتب ….
    تحيات

  5. تعقيب: سلامات …. رفيق ( 2 ) « مدونة ولــيد شـّام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s