ثلاثة يتخلـّفون …. عن الغزو


 

 

ما إن علم الرّسول محمد ( صلى الله عليه و سلم ) أن الروم تستعد لغزو المدينة حتّى قام في الناس يدعوهم للجهاد (( انفروا خفافا و ثقالا و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم في سبيل الله )) فتجمّع حول رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) جيش كثير سُمـّي َ بجيش العسرة , إذ لم يغز الرسول ( صلى الله عليه و سلم ) قبله في عدد مثله , فقد كان الصّحابة يوم بدر ثلاثمائة و بضعة عشر و يوم أحد سبعمائة و يوم خيبر ألفا و خمسمائة , و يوم الفتح عشر آلاف و يوم حُنين اثني عشر ألفا , و كان جيش محمد ( صلى الله عليه و سلم ) في آخر غزوة ضدّ الرّوم ثلاثين ألفا و زيادة .

استجاب هذا العدد الهائل من الصحابة لنداء رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) رغم شدّة الحر و جدب الأرض و بُعد الشقة و وفرة عدد العدو و جودة سلاحه . و لم لا يستيجبون لنداء قائدهم و قد اشتاقت نفوسهم إلى الجنة . فالنفوس المؤمنة بوعد الله لا تبالي الجهاد صيفاً او شتاءاً , حـرّاً او قـرّاً . بعيدا أو قريبا .

روى الإمام البخاري في حديث كعب بن مالك ” أن النبي ( صلى الله عليه و سلم ) غزا في حرا شديد و استقبل سفرا بعيدا , و مفازا و عدوأ كثيرا , و كان الزمن زمن عسرة الناس و جدب البلاد .

و لمـّا كان محمد قائد القوات المسلحة ينظم صفوف جيشه و ينتقل من فيلق إلى فيلق يُسدي له نصائحه , إذ جاءه جماعة من المؤمنين الفقراء الذين لا يملكون زادا و لا سلاحا يريدون أن يجودوا بأنفسهم في سبيل الله رغبة في التلذذ بقهر الروم / أكبر قوة عالمية آنذاك / , لكن القائد أعمهم أنه لا يجد دابة يحلهم عليها و لا عدة يجهزهم بها , فأذن لهم بالتخلف عن الغزو , فرجعوا يبكون , و استأذنه جماعة من المنافقين كل منهم يلقي بمعاذيره فأذن لهم بالقعود . و نزل فيهم القرآن يفضح نفاقهم و تخاذلهم عن الجهاد و رضاءهم بالبقاء مع الضّعفة و العجزة و الصبيان و النساء . قال تعالى { إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاء رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } التوبة : 93 .

و قد كان ثلاثة من الصحابة من ذوي الثراء و اليسار و الإيمان و الإيثار لم يلتحقوا بالجيش فكانوا موضع العجب و السؤال و هم :

1 – كعب بن مالك

2 – مرارة بن الربيع

3 – هلال بن أمية

هؤلاء تاقت نفوسهم إلى الـراحة فهموا بالغزو مرة و ترددوا اخرى و سرعان ما استشعروا الندم فأرادوا الإلتحاق بالجيش و لكن هيهات . …

و لنترك أحد الثلاثة يحدثنا : قال كعب بن مالك في الحديث الذي رواه مسلم … فهممت أن أدركهم فياليتني فعلت …. !

ثم لم يــُقدّر ذلك لي فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج محمد ( صلى الله عليه و سلم ) . ” يحزنني أن لا أرى لي أسوة إلاّ رجلا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء . و لم يذكرني رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) حتى بلغ تبوك فقال و هو جالس في القوم (( ما فعل كعب بن مالك )) فقال رجل من بني سلمة : يا رسول الله حبسه برداه و النظر في عطفيه ” كناية عن كونه معجباً بنفسه ذا زهو و تكبر ” فقال معاذ بن جبل : بئس ما قلت , و الله يا رسول الله , ما علمنا عليه إلاّ خيرا . فسكت رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) .

قال كعب بن مالك فلمــّا بلغني أن رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) قد توجه قافلاً من تبوك حضرني بثي ( حزني ) فطفقت أتذكر الكذب و أقول ” بمَ أخرج من سخطه غداً ” .

و عاد رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) منتصراً في جهاده على بني الأصفر و توجه نحو المسجد كعادته فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فجاءه جماعة من المتخلفين يعتذرون إليه و يحلفون له و كانوا بضعة و ثمانين رجلا , فقبل منهم رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) علانيتهم و بايعهم و استغفر لهم و وكل سرائرهم إلى الله , ثم أقبل كعب و سلم على رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) و جلس بين يديه و قال :

يا رسول الله إنك تعلم أني لو اعتذرت لغيرك من أهل الدنيا لقبل عذري لــمّا آتاني الله من فصاحة و قوة كلام و لكنني سأصدقك الحديث يا رسول الله , و الله ما كان لي عذر , و الله ما كنت قط أقوى و لا أيسر مــّني حين تخلفت عنك .

قال رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) : (( أمـّا هذا فقد صدق فقم حــّتى يقضي الله فيك )) .

و جاء مرارة و جاء هلال فتحدثا بما تحدّث به كعب فقال لهما رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) مثلما قال لـــكعب و نهى المسلمين عن كلامهم .

قال كعب : ” فاجتنبنا الناس و تغيّروا لنا حـّتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي أعرفها , فلبثنا على ذلك خمسين ليلة . فأما صاحباي فاستكانا و قعدا في بيوتهما يبكيان و أما أنا فكنت أشب القوم و أجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة و أطوف في الأسواق و لا يكلمني أحد و آتي رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) فأسلم عليه في مجلس الصلاة فأقول , هل حرك شفتيه برد السلام أم لا ؟ ثم أصلي قريباً منه و أسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلــيّ و إذا التفت نحوه أعرض عــنّي , حتى إذا طال ذلك علــيّ من جفوة الناس , مشيت حتى تســوّرت جدار حائط أبي قتادة و هو ابن عــمـّي و أحب الناس إلــّي فسلــّمت عليه فوالله ما ردّ علــيّ السلام .

فقلت له يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أنـّي أحب الله و رسوله ؟ قال : فسكت . فعدت فناشدته فسكت . فعدت فناشدته فقال الله و رسوله أعلم . ففاضت عيناي , و توليت حتى تسورت الجدار . فبينما أنا أمشي في سوق المدينة إذا بنبطي من نبط أهل الــشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقولم : ” من يدل على كعب بن مالك ؟ قال : فطفق الناس يشيرون إلـيّ , حتى جاءني فدفع إلـيّ كتاباً من ملك غــسّـان و كنت كاتبا فقرأته فإذا فيه : أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك ( أي رسول الله ) قد جفاك , و لم يجعلك الله بدار هوان و لا مضيعة فالحق بنا نواسك . قال فقلت حين قرأتها : و هذا أيضاً من البلاء فتياممت بها التنــّور فسجرته بها ( أي أوقدته بالصحيفة ) .

حـّتى إذا مضت أربعون من الخمسين و استلبت الوحي [ لم يتلق الرسول ( صلى الله عليه و سلم ) و حيا في هؤلاء ] , إذا رسول … رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) يأتيني .

فقال : إن رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) يأمرك أن تعتزل امرأتك …. فقلت أطلقها أم ماذا أفعل ؟

قال : لا , بل اعتزلها فلا تقربها . قال : فأرسل إلى صاحــبـيّ بمثل ذلك .

قال : قلت لامرأتي : الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال فجاءت امرأة هلال ابن أمية رسول الله( صلى الله عليه و سلم ) فقالت له : يا رسول الله : إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه ؟

قال : لا و لكن لا يقربـّـنك , فقالت : إنه و الله ما به من حركة إلى شيء و الله مازال يبكي منذ كان من أمره ماكان …. إلى يومه هذا .

قال : فقال بعض أهلي لو استأذنت رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) في امرأتك , فقد أذن لامراة هلال بن أمية أن تخدمه قال فقلت : لا أستأذن فيها رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) . و ما يدريني ماذا يقول رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) إذا استأذنته فيها و أنا رجل شاب ….. ؟

قال : فلبثت بذلك عشر ليال فكمل لنا الخمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا . قال : ثم صلـيّـت الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا , بينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله مـنـّا قد ضاقت عـلـيّ نفسي و ضاقت عليّ الأرض بما رحبت …. سمعت صوت صارخ أوفى على سلع ( صعد على جبل سلع ) يقول بأعلى صوته : يــــــا كـعب بن مالك …… أبـْـــشر .

قال : فخررت ساجدا , و عرفت أن قد جاء فـرجَ .

قال : فـآذن رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) الناس بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا , فذهب قبل صاحبي مبشرون , و ركض رجل إلـيْ فرسا و سعى ساع من أسلم قبلي فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبّي فكسوته إياهما ببشارته و الله ما أملك غيرهما يومئذ , و استعرت ثوبين فلبستهما , فانطلقت أتأمم رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) فتلقاني الناس فوجا فوجا , يهنونني بالتوبة و يقولون : لتهنّئك توبة الله عليك .

حتى إذا دخلت المسجد فإذا رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) جالس في المسجد و حوله الناس . فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني و هنــّــأني . و الله ما قام رجل من المهاجرين غيره .

قال فكان كعب لا ينساها لطلحة . قال : فلما سلمت على رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) و هو يبرق وجهه من السرور و يقول : (( أبشر بخير يوم مــرّ عليك من يوم ولدتك امك )) .

قال : فقلت أمن عند الله يا رسول الله أم من عندك ؟ . قال (( لا بل من عند الله ))

قال كعب و الله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) .

و بينما كان رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) يتلو الآيات التي نزلت في كعب و هلال و مرارة

لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [ 117 ] وعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ” [ 118 ] ~ سورة التوبة

كانت الدموع تغمر خـــدّيْ كل واحد منهم

 

و سلام من الله عليكم و رحمة و بركات

المصدر : منهاج الواعظين

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s