كوب …. من الذنوب


 

في مدينة حيث يندر العرب , و بعد أن أنهيت عملي اليومي في المشفى الإقليمي الضخم الرابض على كتف المدينة الجنوبي …. توجهت عائداً للمنزل القابع في مركز المدينة  حيث أسكن … نصف ساعة بالحافلة قبل أن تتوقف أمام المركز التجاري الرئيس في تلك المدينة …. شقتي على بعد مسير عشرة دقائق لا أكثر …. تابعت سيراً على الأقدام .. مستظل بأشجار الجوز و الكستناء التي تغطي معظم شوارع المدينة . و قبل أن أخطو نحو مدخل البناء الضخم حيث أسكن في الطابق الثاني … استوقفني شاب يبدو و كأنه ينتظر أحد ما … الحقيقة توجست خيفتاً … فليس من العادة أن يستوقفك أحد من أبناء البلد … و خاصة كونك أسمر البشرة . رغم ما يتصف به أبناء هذا الشعب من طيبة و حب للأجنبي .. إلاّ انه لم نعتد التعاطي الإجتماعي … خارج العمل أقصد … و الحقيقة هذه صفة تنطبق عليهم و فيما بينهم و لا تقتصر على الأجانب و أهل البلد .

استوقفني الشاب بأدب جــّم اعتدته خلال السنوات العشر في هذا البلد . بعد أن ألقى التحية سئلني أن كنت أسكن الشقة حيث أشار ( تماماً – شقتي ) .

قلت له نعم …. هل من مشكلة .

تابع قائلاً ….. هناك مشكلة تقنية أيها الجار العزيز ؟؟!! .

ما هي ….. يا صديقي … أجبته ؟ .

قال لي هناك تسرب ماء كبير و قد تضررت شقتي كثيراً منه …. تابع قائلاً بأن الشقة التي تقع تحت شقتي تماماً تخصه ……. و أنه كان يعمل على متن أحدى السفن الإيطالية و قد طالت غيبته … و عندما عاد البارحة وجد شقته و قد أتلفها الماء المتسرب من الأعلى .

 

حنفية

أخذني من يدي بهدوء و قال لي تعال و أنظر بنفسك …. و فعلاً دخلت شقته و راعني ما رأيت من منظر … المطبخ … الحمام …. الغرفة الكبيرة ……. الجدارن توحي للناظر إليها بأنها شقة مهجورة منذ خمسين عام …… و الأثاث لم يعد يصلح لشيء …. أما الأرضية الخشيبة .. حيث النمط السائد عندهم …… فقد تفقعت و تقلعت …. الحقيقة وضع الشقة كارثي و قطعاً لم تعد تصلح للسكن بوضعها الراهن .

قلت له أيها الجار ……. من شقتي لا يوجد تسرب  …. على كل حال لم يمر على سكني هنا سوى شهرين اثنيين , و هذا وقت لا يكفي لعمل كارثة بهذا الحجم . ربما من الشقة التي تعلو شقتي … فكما تعلم أيها الجار إن نمط البناء عندكم و المسبق الصنع حيث تعتمدون رص و تركيب الجدران و الأرضيات كما ألعاب الأطفال فهذا كله يجعل الماء يتسرب من خلال الطوابق أمر كثير الحدوث .

قال لي نعم … كل ما قلته صحيح ؟؟؟ و لكنك آخر من سئلته من سكان البناء … و لم ألحظ أي خلل عندهم …. و لمعرفتي بالأجانب و حرصهم على مساكنهم لم أسئلك أولاً .

دعوته لشقتي …… و الحقيقة كنت قد استـئجرت الشقة بمعرفة صديق من حمص كان يرغب بالزواج من فتاة من تلك المدينة ….. فقام بإعادة تجهيز الشقة بشكل كامل و بشكل قـّل مثيله , و عندما أصرت والدته في رفضها زواج ابنها من بنات تلك البلد ….. أبى أن يعطي الشقة لصاحبتها العجوز إلاّ بعد أن تسمح لعربي أن يسكنها حتى لا يضيع تعبه في تجهيزها عبثـاً . و كنت أنا العربي المحظوظ .

فتحت باب الشقة و قلت له تفضل و أنظر بنفسك ……… سارع لخلع حذائه قبل الدخول و هي من عادات تلك البلاد أن لا يدخلوا المنازل بأحذيتهم … و بكل خجل دخل الجار الحمام … نظر و إذ بأرضية الحمام جافة تماماً … و نظر للبانيو و كان له باب زجاجي محكم يمنع تطاير الماء لخارج البانيو …….. مسح بيده على أرضية الحمام في الأماكن المخفية و الزوايا ,  فخرجت جافة تماماً ……. تابع بنظره حول كرسي الحمام و الجدران و حول أنابيب المياه ….. المغسلة …….. جميعها جافة ؟؟!! .

هز رأسه مستغرباً ……. سارعت بأخذه للمطبخ الذي يجاور الحمام من جهة اليسار …….. و كما الحمام …… لم نعثر على أي تـــّسرب !! .

عاد للحمام مرة أخرى …….. و بعد ان اعتذر أكثر من مرة و بدأ لونه بالتغير نحو الإحميرار خجلاً …. أشار بيده لقطرات ماء صغيرة متباعدة بالزمن تنسل من أحد مفاصل الأنبوب لا تسقط على الأرض مباشرة إنما تنساب على الجدار .. قبل أن تختفي …. لم نلحظها عندما دخل الحمام في المرة الأولى …. لكنه لم يقل شيء …. أشار بيده و قال ربما من هذه ……… قلت له لديك من الضرر في شقتك ما يحتاج لنهرمن الماء لإتلافه ….. و لا أعتقد بأن هذه القطرات المتباعدة تحدث ما أحدثته في شقتك .

أجابني ……. باسماً  نعم … و لكن حتى أقول لنفسي قد إكتشفت السبب  …….  تابع  و قد تحولت إبتسامته إلى ضحكة عريضة … أتمنى منك جاري الطيب أن تقوم بإصلاح هذا الشيء … على الأقل حتى أرتاح قبل أن أعيد صيانة المنزل بأنني قمت بما ينبغي القيام . فهي ستكلفني الآف الدولارات .

قلت له …… لن أنام اليوم و هذه القطرات تتساقط …… إعتبر الأمر و قد تم .

و فعلاً غادر على هذا الأساس …… متشكراً و معتذراً …

قلت في نفسي إن شاء الله و بعد أن أصلي الظهر , حيث أوشك العصر على الدخول و استريح قليلا ً, سأصلح هذا التسرب .

أثناء الوضوء خطر ببالي بأن أضع كأس ماء فارغ أسفل هذه النقط ….. و أعود بعد ان أصلي و أتناول طعام الغداء و قيلولة قصيرة  كما المعتاد ……. لأرى كم يمكن أن تملئ هذه القطرات المتباعدة كأس ماء فارغ … فضول لا أكثر ..

و الحقيقة عدت لكأس الماء ……… بعد ثلاث ساعات تقريباً .

ماذا شاهدت برأيكم اخوتي الكرام …………. الكأس ممتلئ تماماً ….. و ملاحظ تجمع ماء حوله ….. ربما ما يعادل نصف كوب .

ذهلت للمنظر ……… و بسرعة و أنا أتعثر بدهشتي , حسبت معدل حجم الماء خلال يوم ……… على إعتبار أن حجم الكأس يساوي ربع ليتر تقريباً .

خلال أسبوع ؟؟؟؟؟؟؟ خلال شهر ….. !!!! . خلال ستة أشهر .. فترة غياب جاري ؟؟؟؟؟؟؟ !! .

نعم كانت تلك النقاط قد تجمعت لتشكل نهراً غزيراً ….. و لم ألحظها و يصعب أن يلحظها إنسان ……….

لا أدري لماذا تذكرت وقتها .. صغائر الذنوب و التي حذرنا منها رسول الله عليه أفضل الصلاة و السلام ….. أمور صغيرة لا نلقي لها بال ……. مزحة باطلة من هنا …….. شتيمة من هناك …….. غيبة …….. نميمية …… أفك ……. تلكؤ بصلاة ……… حلف يمين …. على شكل مزحة …….. إفتاء بغير علم .. نسمع الآذان ……. يا الله… نقول لأنفسنا بعد ( دق الطاولة ) …. أو بعد إنتهاء المسلسل ….. أخ صغير يضايق الجيران ..  لم ننهره …….. أخت … جاهلة ترفع صوت بوجه والدتها ……. نضحك ……. كبرت السعدانة و صارت تعرف تحكي . طفل يرمي الحجارة على المصابيح المنتشرة في الشوارع … نتظاهر بعدم رؤيتنا له …. آخر يحاصر قطة صغيرة في احدى الزوايا و يقذفها بالحجارة …. تتلوى المسكينة ……. تنظر إليك متوسلة أن تدافع عنها …….. تــّـدعي عدم مشاهدتها ………. قالها عليه الصلاة و السلام …. (( في كل ذي كبد رطبة أجر )) .. أو كما قال …

هل أديت عملك …… بما يرضي الله و رسوله …… أما سولت نفسك بما ليس هو لك .

هل أمرنا بمعروف ……….. نهينا عن منكر …….. أمطنا الأذى عن طريق و هو أضعف الأيمان ….. جلسنا مع بعضنا البعض و ذكرنا الله … و تذاكرنا أمور ديننا …….. أم بدأنا نــّقيم المسلمين  و المؤمنين من عباد الله …… هذا بغيض و هذه طويلة و ذاك فعل و تلك قالت  و تبدأ التحليلات و التخمينات دون دراية صاحبها المسكين ……..

هل مررت بقوله عليه الصلاة و السلام : (( إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله . لا يرى بها بأسا . فيهوي بها في نار جهنم سبعين خريفا )) و

 

هل مر بك أخي / أختي قول المصطفى عليه الصلاة و السلام : (( ثكلتك أمك يامعاذ ! هل يكب الناس على وجوههم في النار، إلا حصائد ألسنتهم ؟ )) .

هل كل ما نقوله خيراً … هل صمتنا حيث يجب الصمت … هل سمعت قوله عليه الصلاة و السلام : (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا، أو ليسكت )) .

 

 

يرحمني و يرحمكم الله

Advertisements

11 تعليقات على “كوب …. من الذنوب

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

    تحياتي لك أخي في الله د. وليد الشام على مرورك الكريم لمدونتي المتواضعة وإثرائك لها بما يحبه الله ويرضاه.

    وفي الحقيقة أنا دخلت الظاهر لمدونة أخرى لك وهي الرقة ونهر الفرات .. فهل هي أيضا تابعة لك؟

    أما بالنسبة للموضوع القيم الذي طرحته .. فهو فعلا مهم وكل قطرة ماء وكل طرفة عين نعمة محسوبة علينا .. فاللهم اجعلنا ممن نحافظ على نعمك التي لا تعد ولا تحصى آمين.

    تحياتي لك مرة أخرى ولك مني كل الود والتقدير وبارك الله فيك ونفع الله بك الأمة الإسلامية العربية .. آمين.

  2. الشجرة الأم :
    بل شرف المرور لنا أختنا في الله , و لم تخطئي الدخول الأول .. هي مدونة – متوقفة لعدم إمكانية مشاهدتها في سوريا . كما و بقية مدونات ( بلوغر ) …. بحفظ الله و رعايته و جعلكم من الذين يستظلون بظله .. يوم لا ظل إلا ظله … اللهم آمين .

  3. تدوينة جميلة جدا . . من فترة كنت انا وأخي عم نعمل تعزيلة للبيت بقى في مكانات فيها شوية غبرا وشعر وهالقصص (تعرف عزابية والشورت هو اللباس الميداني) مجمعين وعاملين طبقة منيحة رغم انهم فرادى ولا شي !!

    فقالي انه هالمنظر يذكره بالذنوب الصغيرة اللي ما بنحس فيها لكنها تجمع بعد فترة حتى تصير جبل.

    الله يغفرلنا جميعا بس ما قلتلي بعد ما اكتشفت هالإكتشاف دفعت للزلمة ولا ضربتها طناش 😉

  4. 3bdulsalam :
    راح أقول لك من شان تطمن على صاحب الشقة … تكفلت صاحبة شقتي بنصف التكاليف و هو النصف الآخر … بتراضي الطرفين .. و أنا أصلحت الخلل على حسابي – تطوعا … كوني إستلمتها هكذا , و لم أغير فيها شيء .. و الكل مبسوط يومها …

  5. السلام عليكم…
    اولا اشكرك شكرا جزيلا اخي دكتور وليد شام على ما نستفيده من تدويناتك ومواضيعك القيمة وبارك الله فيك…..
    الا انني لم اجد الا كل ما يسرني و يفيد الجميع في كل مواضيعك ومواقفك الجميلة
    فلك جزيل الشكر مني وأعلم الكثير منا ينتظر جديد مواقفك ومواضيعك
    بس بقلك شي انا شفت كتير ناس تتقن التدوين بس متلك عن جد ما شفت الله يوفقك
    تقبل مروري واعذرني على هذا التعليق البسيط لان والله ما بعرف شو بدي اعلق مجرد أن نبتسم ونشكرك من قلوبنا
    دمت بود

  6. معاذ :
    و عليكم سلام من الله و رحمة و بركات
    شرفٌ ليّ مروركم الكريم على مدونتي المتواضعة و التي إشرأبت عنقاً بإطلالة أخ لي و عزيز و غالِ …
    توفيقاً و رزقاً من الله لكم و سعادة

  7. بسم الله الرحمن الرحيم
    خاطرة جميلة و تشبيه بليغ ، فالنار تبدأ بشرارة ، و اذكر مدرس الفيزياء الذي درسنا في الصف الاول الاعدادي و قد ضرب لنا مثل مشابه عندما قال ان نحن وضعنا كوباً فارغاً تحت الصنبور و جعلنا الصنبور يخرج الماء نقاطاً فقط فانه يمتلئ و يفيض الماء منه بهدوء ، و ان فتحت الصنبور بقوة فانه لن يمتلئ ابداً ( فابدأ في دراستك من اليوم الاول لدوامك و لا تنتظر ايام الامتحان ) و هذا ما فلعته خلال السنوات اللاحقة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s