حادثة الإفك


 

1 ‫‬

 لـمّـا كانت السنة السادسة للهجرة خرج النبي ( صلى الله و عليه و سلم ) غازيا إلى بني المصطلق و قد ارتحلت معه أم المؤمنين السيدة عائشة بنت الصـّديق , محمولة في الهودج على ظهر البعير . و ما إن فرغ من غزوته , قفل عائداً إلى المدينة , حتى إذا كان قريباً منها أناخ رسول الله ( صلى الله و عليه و سلم ) ببعض المنازل ليرتاح ساعة من الليل .

و قبل أن يسفر الصبح عن وجهه أذن النبي ( صلى الله و عليه و سلم ) للناس بالرحيل فتهيؤوا له . و كانت السيدة عائشة رضي الله عنها حينئذ قد خرجت لقضاء بعض شأنها , و لـمّـا عادت إلى رحلها تفقدت عقدها فإذا هو قد انسل من عنقها . فذهبت في طلبه , غير أنها لما همت بالعودة وجدت القوم قد ارتحلوا و ما دروا أن أم المؤمنين تخلفت عنهم , و ما شعر الجماعة الذين كانوا يرحـّلون هودجها بخفته .

و لم يمض وقت طويل حتى وصلت عائشة رضي الله عنها على بعير يقوده صفوان بن المعطل السلمي الذي كان قد أوكل إليه النبي ( صلى الله و عليه و سلم ) حراسة مؤخرة الجيش فلـمّـا علم بإبتعاد الجيش و أمن عليه من غدر العدو , ركب راحلته ليلتحق بالـّركب فمـّر في طريقه بالسيدة عائشة التي لم يعرفها إلاّ بعد أن اقترب منها .

فلـمّـا رآها ملتفة في جلبابها لم يستطع أن يملك صيحته أو يكتم دهشته فصاح ” إنا لله و إنا إليه راجعون ” ظعينة رسول الله ؟ ما خلفك يرحمك الله ؟ فما كلمته .

فقدم بعيره إليها ثم تأخر عنها حتى ركبت , فانطلق يقوده بها دون أن يكلمها كلمة واحدة حتى أبلغها مأمنها في قومها .

فلـمّـا رأى الناس ذلك تكلم كل منهم على روايته , و ما يليق به , و ارتجّ المعسكر و اغتنم المنافقون الفرصة للنـّيل من شرف بيت النبوة فقالوا شططا و افتروا على عائشة كذبا .

فقال زعيم المنافقين عبد الله بن أبـيّ حينما رآهما : / و الله ما نجت منه و لا نجا منها ! / و خاض مع الخائضين في حديث الإفك: مسطح بن أثاثة و حسان بن ثابت و زيد بن رفاعة و حمنة بنت جحش .

حتى بلغ الخبر رسول الله ( صلى الله و عليه و سلم ) و أثر فيه , أمـّا عائشة فكانت لا تعرف شيئا ممـّا في نفس القوم .

و في المدينة مرضت السيدة عائشة مرضا شديدا ألزمها الفراش بضعا و عشرين ليلة فرابها أنها لم تكن في الأيام الأولى من وجعها ترى من رسول الله ( صلى الله و عليه و سلم ) اللطف الذي اعتادته منه , فما بال الزوج الحنون لا يرقَ لحالها و لا يحفل بشأنها ؟ فلما أحسّت منه بعدا و جفوة استأذنته في الإنتقال إلى أمها لتمرضها فأذن لها .

و مرت الأيام و تماثلت عائشة رضي الله عنها للشفاء فخرجت من بيت أبيها لبعض حاجتها و معها أم مسطح بنت أبي رهم . و لما كانتا تمشيان في الطريق عثرت أم مسطح في مرطها ( ثوبها ) فقالت : تعس مسطح ! . فتعجبت السيدة عائشة رضي الله عنها و أنكرت ما سمعته من رفيقتها ! لماذا تدعو على ولدها أو ليس مسطح رجلا صالحا قد شهد بدرا ؟

عند ذلك سألت أم مسطح عائشة : أو ما بلغك يا بنت أبي بكر !

قالت عائشة : و ما الخبر ؟

فحدثتها بما كان من أصحاب الإفك , فرجعت عائشة مذهولة إلى أمها لتستقين الخبر , فقالت لها و دموعها تنهمر على خديها : يا أماه يغفر الله لك , تحدث الناس بما تحدثوا به و لا تذكرين لي من ذلك شيئا ؟ … فلم تملك أمها إلاّ أن تقول : أي بنية خففي عليك الشأن , فو الله لقـّلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلاّ أكثرن و كثر الناس عليها .

فقالت عائشة : سبحان الله و لقد تحدث الناس بهذا ؟ و ازداد بكاؤها , فبكت ليلتين و يوما , م تكن تكتحل فيها بنوم و لم يرقأ لها فيها دمع حتى ظنت أن البكاء فاتق كبدها .

أمـّأ رسول الله ( صلى الله و عليه و سلم ) لـمّـا لم ينزل عليه الوحي شيء في شأنها استشار أصحابه في فراقها فأشار عليه أسامة بن زيد بإمساكها قائلاً : أهللك يا رسول الله و لا نعلم إلاّ خيرا .

و أمـّا علي فقال : يا رسول الله سل الجارية بريرة تصدقك , فذكرت أنها لا تعلم إلاّ خيرا و أنها ما كانت تعيب عليها شيئا إلاّ انها كانت – أي بريرة – تعجن العجينة و تأمر عائشة بحفظها … فتنام عنها فتأتي الدواجن فتأكلها, ثم سأل ضرتها زينب بنت جحش عن أمرها فقال يا زينب ما علمت مـمـّا رأيت ؟

فقالت يا رسول أحمي سمعي و بصري , و الله ما علمت إلاّ خيرا , و هي التي كانت تساميني فعصمها الله بالورع , و لما فرغ النبي ( صلى الله و عليه و سلم ) من استشارة بعض أفراد آل بيته في أمر يتعلق بهم دون غيرهم أحس بالإطمئنان لمقالتهم فدخل المسجد و صعد المنبر ليرد عن زوجته ألسنة السوء فقال : (( يا أيها الناس ما بال رجال يؤذونني في أهلي و يقولون عليهم غير الحق ؟ و الله ما علمت منهم إلاّ خيرا , و يقولون ذلك لرجل و الله ما علمت منه إلاّ خيرا , و ما يدخل بيتا من بيوتي إلاّ و هو معي )) .

ثم ذهب إلى عائشة في منزل أبيها فوجدها تبكي , فسّلم عليها ثم جلس , و لم يجلس عندها منذ شهر , فأراد أن يخرق الصمت المتواصل بينهما , و رغب في التماس الحقيقة من مصدرها مادام لم يوح إليه بشيء في شأنها فقال لها : (( أما بعد يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا و كذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله , و إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله و توبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه )) .

و حينئذ قــّـلص دمع عائشة و قالت لكل من أبويها ان يجيبا عنها رسول الله ( صلى الله و عليه و سلم ) . فلم يدريا ما يقولان . فقالت : و الله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدا , لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم و صدقتم به , فلئن قلت لكم إنــّـي بريئة – و الله يعلم أني بريئة – لا تصدقوني بذلك و لئن اعترفت لكم بأمر – و الله يعلم أني منه بريئة – لتصدقنني بذلك و الله ما أجد لكم مثلا إلا قول أبي يوسف إذ قال : ” فصبر جميل و الله المستعان على ما تصفون ” .

و في تللك اللحظات خيمّ الصّمت و ساد السكون , و ما فارق النبي ( صلى الله و عليه و سلم ) مجلسه و لا خرج أحد ممّن في البيت حتى نزل الوحي فسري عن رسول الله ( صلى الله و عليه و سلم ) و هو يضحك بعد أن مسح قطرات العرق التي تحدرت من جبينه ثم كانت أول كلمات نطق بها الفم الشريف : (( يا عائشة احمدي الله , فقد برأك الله )) .

فقالت لها أمها : قومي إلى رسول الله ( صلى الله و عليه و سلم ) .

فقالت : لا و الله لا أقوم إليه و لا أحمد إلا الله الذي برأني .

فقال رسول الله ( صلى الله و عليه و سلم ) : (( لقد عرفت الحق لأهله )) .

ثم خرج النبي ( صلى الله و عليه و سلم ) إلى الناس فقام خطيبا و تلا عليهم ما أنزل الله عز و جل من القرآن في ذلك:

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم 

إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ (12) لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ (20)

ثم أمر بمسطح بن أثاثة و حسان بن ثابت و حمنة بنت جحش و كانوا ممّن أفصحوا بالفاحشة فضربوا حــدّهم ثمانين جلدة .

 

و سلام من الله عليكم و رحمة و بركات

 

المصدر : منهاج الواعظين

تعقيب :

لقد ضرب مسطح و حسان و حمنة ليكفــّر عنهم إثم ما صدر عنهم من القذف , و بجلدهم ثمانين جلدة لا يبقى عليهم شيء من أثقال ما نطقوا به يحملونه في الآخرة , فقد قال رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) في الحدود : (( إنها كــفــّارة لمن أقيمت عليه ))

أما كبير المنافقين عبد الله بن أبـيّ فإنه لم يَقم عليه الحد لأن الله تعالى قد أعد له في الآخرة عذابا عظيما , فلو حد في الدنيا لكان ذلك نقصاً من عذابه في الآخرة و تخفيفاً عنه .

ملاحظة :

اخوتي في الله : عبدالله بن أبيّ المذكور هنا هو عبدالله بن أبيّ بن سلول الخزرجي و المعروف بــ رأس المنافقين و هو والد الصحابي عبد الله بن أبيّ و هو من الصحابة الصالحين …. للتذكرة فقط و جزاكم و جزانا الله كل خير .

 

د. وليد الشام 

 

و الحمد لله رب العالمين

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s