خذ زوجتي .. و أعطني القطة ؟؟!


 

 

أغلق ( فرج ) باب الطاحونة العتيق … و توجه إلى شاطئ النهر الذي لا يبعد سوى أمتار قليلة عن الطاحونة العتيقة ..

فرج – شاب في مقتبل العمر يعمل في طاحونة قديمة جاثية على حافة النهر … الطاحونة هي عالمه .. فيها يعمل حتى غروب الشمس … فيها يأكل و فيها ينام … لا أحد يعرف من أين جاء فرج … وجدوه طفلا ً رضعيا ذات يوم مرمياً على شاطئ النهر فأخذه الحاج عبد القادر و ضمه لجوقة اولاده من نساءه الثلاث … و هكذا عاش …

إعتاد فرج  ان يجلس عند حافة النهر وقت غروب الشمس  بعد توقف مسننات الطاحونة عن الأنين طوال النهار …. يراقب الماء و السماء حتى تدنو منه ملكة الوسن فيغفو على قارب قديم مقلوب على شاطئ النهر … فإذا احس بالبرد … هرب نحو سقيفته التي هي مأوه .

كانت امسية ككل الأمسيات .. السابقة .. في هذه المرة أراد أن يسهر حتى الصباح لسبب لا يعرفه … أعــّد لنفسه إبريق من الشاي و إتجه حيث إعتاد الجلوس ….

تجاوزت الساعة منتصف الليل بقليل …. هبة نسمة منعشة من جهة النهر .. لكنها أطفئت نور قنديله الصغير .. الموضوع بحنان على قاربه الملقى بلا حراك ….

OldMill

لم يحاول إشعاله مرة أخرى .. رغم الظلام الحالك تلك الليلة … كان ظهره للطاحونة القديمة .. و لكنه شعر بضوء ينعكس على صفحة وجه النهر مصدره بناء الطاحونة الهرم ….

إلتفت … بشكل آلي و إذ فعلا ً هناك نور ساطع يصدر من طاحونته القديمة …. شعر بخوف شديد .. إرتعدت منه فرائصه .. و قد كان يسمع منذ صغره أن الطاحونة مسكونة بالجان .. و أن للجان عشيقة .. تخرج من النهر في بعض الليالي الحالكة …

كان وقتها يبتسم لأنه الوحيد الذي يعرف الحقيقة بأن ليس هناك من جان في الطاحونة … سواه ….

بدأ النور يزداد ضياءاً … وقف على قدميه … و لأول مرة في حياته يفكر بأن يطلق ساقيه للريح ….. و الحقيقة لم تستطع قدماه حمل جسده الضخم و لا خوفه الكبير …

بلع ريقه عدة مرات … من شدة جفاف حلقه … و بدأ يصرخ بصوت مبحوح من هناك … من هناك ..

لا رد … سوى صوت الريح الجوفاء في أرجاء الطاحونة و التي لأول مرة شعر بأنها مخيفة … بل مخيفة جداً …. الناس هناك يخشون المرور بجوارها … ليلاً و لكنه الوحيد الذي لا يخشاها … إنها بمثابة أمه …. إلاّ اليوم …. فارأها غول …. مخيف ….

إقترب من الباب بهدوء … و خشية , و قبل أن يصل إليه بعدة خطوات … و إذ بالباب الضخم ينفتح لوحده مصدراً ذلك الصرير المزعج … لحظتها وقع على الأرض من شدة الرعب و كاد أن يُغشى عليه …

من خلف الباب ظهر شيخ جليل مهاب ذو لحية طويلة و لباس أخضر جميل .. مُحاط بنور شديد البياض , فرك ( فرج ) عيناه ليتأكد هل هو في علم أم في حلم …

إبتسم الشيخ الجليل بوقار و قال له لا تخف يا بني .. أنا جئت لمساعدتك .. فاأطلب ما تشاء .. تلقاه … عندك …

إستئنس ( فرج ) بمُحيا الشيخ الجليل .. و بدا يتعلثم بالكلام .. بالشكر و العرفان و لا يدري ما يقول .. دنا منه الشيخ . و أعطاه جرة ماء … لم يذق مثل طعمها من قبل .. فشرب منها حتى أرتوى .. و أعاد الجرة للشيخ الذي أخفاها بين ثنايا ثيابه الفظفاظة .. بطريقة لم يدركها ( فرج ) .

بسرعة : قال ( فرج ) .. أريد .. زوجة … بل أجمل زوجة في الدنيا … و سكت ؟؟؟ .

أطرق الشيخ ملياً … و أخرج من بين ثيابه قطة بيضاء جميلة .. و قال له ك ما رأيك أن تأخذ هذه القطة … صرخ فرج بعد أن إستعاد شجاعته …

 

1974.imgcache 

 

يا رجل : أقول لك أريد زوجة …. و أنت تعطيني قطة .. ماذا أفعل بالقطة !!! .

الشيخ : يا بني .. أنا أريد مصلحتك …. و الخير لك .. ليس إلاً ..

( فرج ) : إذاً … أعطني زوجة ؟؟؟؟ فهي ما أريد ..

 الشيخ : حسناً يا بني …. لك ما تريد …. و مسح الشيخ على رأس ( فرج ) فنام في الحال  …

إستيقظ ( فرج ) صباحاً .. على وقع أشعة الشمس المتسللة بهدوء على جفونه المرهقة من ليلته الطويلة … إذ كان مرمياً على رمال شاطئ النهر و ليس في فراشه الذي إعتاد في سقيفة الطاحونة ….

هز رأسه محاولا ً إستذكار ما حدث معه ليلة البارحة …. لم يستطع أن يتبين .. حلم هو أم علم ..

إستعد ليوم عمل جديد .. فغسل وجهه و وضع إبريق الشاي المرمي على قاربه المقلوب … و إدار عنفة الماء التي تدير عجلة الطاحونة الكبير …. بإنتظار وصول الناس بأحمالهم من حنطة و شعير .

ما أن إنتصف النهار .. حتى حضر رجل كبير في السن يضع كيس قمح على ظهر حمار هرم .. و بجواره  فتاة جميلة لم يرى ( فرج ) بمثل جمالها قط .

لأول مرة يتحرك قلب فرج بعنف لوجود أنثى بقربه ….. لم يعد يرى سواها … سارع بمساعدة الرجل العجوز لإنزال كيس قمحه …. و ربط الحمار عند باب الطاحونة … بعد ان طلب من الرجل المسن .. الجلوس … شكره الرجل كثيراً لشهامته و مرؤته …

من دون تردد .. إقترب فرج من الرجل المسن .. بعد ذهبت الفتاة إلى شاطئ النهر .. و سئله هل هي أبنتك … قال : نعم .. إنها آخر بناتي … و أكثرهن معزة و مكانة في قلبي … و أتمنى ان أزوجها لشاب طيب قبل أن أموت …

قال ( فرج ) : هل تزوجني إياها ؟؟؟؟ … كأن الرجل لم يتفأجئ بهذا الطلب … و قال له .. أنا أعرفك منذ زمن و انت شاب طيب و شهم … سأسئلها و أعود إليك ….

غاب الرجل .. لمدة ليست بالطويلة … ثم عاد … مباركاً …. له … أسرع ( فرج ) إلى القرية في طلب الشيخ و بعض الرجال للشهادة و معه رب عمله صاحب الطاحونة …

تم الأمر … و بدأت الإحتفالات في القرية ..  عند المساء .. أخذ زوجته الجميلة إلى الطاحونة .. يرافقه شباب و فتيات القرية في حفلة صاخبة … تركوه على بعد خطوات من الطاحونة و عادوا ليكملوا فرحهم من دونه …

قاد زوجته .. إلى السقيفة … حيث إعتاد النوم ….

صرخت الزوجة .. ويحك .. هنا سنسكن .. في هذه الزريبة .. و أبي يملك نصف القرية .. و بدأ يعلو صوتها متذمرة .. فما كان منه إلاّ أن تركها و عاد إلى الشاطئ حيث إعتاد الجلوس …

أغمض عينيه من شدة الإرهاق في هذا اليوم المميز .. فغفى و نام … ليستيقظ بعد فترة لا يعرفها على صوت ضجيج صادر من الطاحونة … نظر فزعاً و كان قد نسي قصة الشيخ الجليل …

و إذ بالشيخ يخرج مرة أخرى .. ألقى السلام على ( فرج ) و تابع سيره بإتجاه النهر … بشكل غير مبالِ .. ركض فرج خلفه و أمسك بتلابيه .. و قال متوسلاً .. يا عماه أرجوك ساعدني .. زوجتي تريد بيت كبيراً … نظر الشيخ إليه و مسح على رأسه … فنام ( فرج ) … حتى الصباح ..

في الصباح … ذهب فرج لـ يجد زوجته قد سبقته … و لم تكلمه .. حاول إرضائها بكلمات جميلة .. عبثاً .. جاء والدها ليطمئن عليها .. فأخبرته عن مكان سكنها و ( فرج ) ينظر إليه كسير الخاطر مجروح الكرامة ,  تعلو عينيه مسحة من حزن و حزة في النفس …

أشار والد الفتاة لفرج … بالإقتراب … دنا منه فرج و هو ذليل .. خائف .. قال له والدها … لا تخف يا بني …. عندي بيت كبير و أنا رجل مسن و حيد …… ما رأيك ان تسكن معي …

لم يصدق فرج أذنيه …. فكاد أن يطير من الفرح … وافق في الحال …

5318old_boat

مساءا… جاء ( فرج ) إلى زوجته بعد إنتهاء العمل …. ما ان شاهدته حتى بدأت تصرخ … ما هذه الثياب البالية التي ترتديها .. أتريد أن تجلب العار لنا .. ألا تعلم من أنا و من أبي … كيف أستطيع أن أمشي وسط الناس و بعلي بهذه الأسمال البالية ….

لم يحتمل ( فرج ) كلام زوجته  الجارح و القاسي .. فغادر البيت إلى حيث إعتاد النوم صيفاً .. أي بجوار قاربه … و لكن هذه المرة أضمر على إنتظار الشيخ الجليل …

فعلا و في الوقت المعتاد … ظهر الشيخ و فورا جرى بإتجاهه و طلب منه المساعدة باكياً .. أريد ثياب جديدة … زوجتي غير راضية …..

كما المرات السابقة … مسح على رأسه .. فغفى لساعتها و نام … في الصباح الباكر … وجد صرة ثياب كبيرة أمام باب الطاحونة … و كانت من أفخر الثياب و أغلاها ثمناً … في المساء لبس ( فرج ) أجمل حلة بينها …. و توجه إلى زوجته … ما أن رأته حتى بدأت بالصراخ … كل هذه الثياب الجميلة و ليس عندنا حصان نمتطيه .. كما الناس من طبقنا … و ما أغلقت فمها ….

هرب ( فرج ) من صراخها و عاد إلى شيخه الجليل .. الذي لم يتأخر في تلبية طلبه .. حيث وجد في الصباح الباكر … حصاناً جميلا يسرح بجوار قاربه – المقلوب .

 

أخذ الحصان إلى زوجته مساءاً … مرتدياً حلته الجميلة …… و لكن و يا للمفاجئة …. بالنسبة له .. ما أن رأته .. حتى بدأت بالصراخ … بيت كبير يتسع لنصف سكان القرية و ثياب فاخرة جميلة و حصان هو أجمل ما رأته عيناي … و أنت صبي يعمل في طاحونة حقيرة بأجر زهيد … أغرب عن وجهي قبـــّحك الله …

ترك ( فرج ) الحصان و نزع الثياب الفاخرة و إرتدى لباسه القديم … و توجه إلى حيث يرقد قاربه … و إنتظر شيخه الجليل … و ما أن ظهر الشيخ .. حتى ركض فرج إليه قائلاً :

سيدي .. هل لازالت القطة البيضاء موجودة …. أعطيني إياها و خذ زوجتي … يرحم الله والديك

 

 

  

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s