غــفــوة .. على كتف ٍ و وتر


و .. ُفتح باب الحافلة الخلفي ُمطلقا ً صوته المميز , فأفلتت يمناه و إنسلتْ  كـ غزال مذعور ٍ فــّر من قســورة .. خطت خطوتان داخلها ممسكة بيسراها عمود معدني إنتصب مقابل باب الحافلة من الداخل و دارت بعكس إتجاه عقارب الساعة دورة كاملة .. لـلـتـتـلقاه في منتصف زمان هائم ٍ على مرحلة ..

تلقى  وجهه هبة من دفء الحافلة , و قبل أن تستقر قدمه الثانية على أرضها المبللة , كانت تحتضنه … برشاقة فهد يتـنقـل عبر أغصان شجرة إفريقية باسقة .

 

get-6-2009-nfvl6yox

 

إنها ليست كالحافلات التي إعتادها في بلده حيث تتوالي المقاعد …. هنا المقاعد تتقابل و في آخر الحافلة تصطف المقاعد لتشكل زاوية قائمة أحد أضلاعها يواجه باب الحافلة

جالت عيناه بسرعة صياد باحث عن شاغر لـ لبؤته المشاكسة بغنج يليق بعينيها ……  أنه شاغر … هناك في الصف الأخير فقط مقعد واحد عار من راكب , هنا على بعد خطوة أو إثنتان لا أكثر , أنه كاف ٍ قال لنفسه … جذبها إليه من خاصرتها النحيلة و إلى هناك …

أفسحت السيدة الأنيقة له مكانا ً ضامتا ً حقيبتها القماشية الكبيرة إلى صدرها مصحوبة بإبتسامة ترحاب معتادة … لملمت نفسها و إنكمشت … تاركة لهما مقعد و نصف مقعدها ……. ربما ثلثه ….

جلس … و أجلسها بشكل جانبيي على ركبيته كما جرت  العادة عندهم …. أحسنت تموضعها تاركة ظهرها للسيدة الجارة … محيطية بذراعيها عنقه ….

348bfec97ea38011853f14a1971849e2_lm

 

ُُُ ُأغلق الباب …. إنطلقت الحافلة … لكزت عجوز ٌ تجلس في الصف المقابل جارتها شبه الغافية , بمرفقها مشيرة بإيماءة لطفيه تجاه ابنة السنونو الراكدة على بحيرة عشها بجوار صيادها …. إبتسمت تلك الغافية .. و أطالت إبتسامتها حتى المدى … أغمضت عينيها نصف إغماضة مستعيدة ذلك الزمن الجميل البائد عندما كانت بمثل سنها …. بلا جدوى …

رتابة الحركة السائرة الهوينا للحافلة .. أوقد فيها شعلة غفوة حالمة مصحوبة بدفء حبيبها و صدى عطره الضارب في أرجاء كيانها المـُلقى على عاتقه بثقة …

أنزلت رأسها دون كتفه باحثة عن وسائدة حلم مكنون قرب قلبه … أو أسفل عنقه … لابأس به من مكمن .

ضمها إليه بحنان كما تضم أم حنون ُ وليدها … قـــّوم جلستها و أصلح خصلات شعرها الهاربة من تحت قبعتها الصوفية مبعدا ً تلك المتدلية على رموش عينيها المستلة كسيوف عرب عاربة في بيداء داحس غبراء على إيقاع صولة و جولة في ذروة معمعة …

قاطع صفو اللحظة توقف الحافلة و إنصفاق بابها مفتوحا ً لثلة من المراهقين الصاعدين بصخب و عبث سنين عمرهم … لكل ِ منهم رفيقة …. ربما , قد تكون مجرد صديقة … لا يهم … خالفت الحافلة تمردهم … فما أن تحركت حتى همدوا … و كانوا عند سكونها كبراكين جزيرة هاجعة مشتتة  من زمن سرمد غابر بلا قرار ….

 

yMt29595

 

راؤها جميعهم … أنا متأكد … إزدادوا إلتصاقا ً … كل ِ لمحبوبته …. أو صديقته كما و إتفقنا … عسى أن يمر بهم أمير الجن على صهوة جواد الريح عبر نافذة …… حتى لو كانت لحافلة .

أطبق جنبات معطفها مرة أخرى .. خشية من نسمة باردة غادرة تسللت من شارع العاصمة , أتبعه بحاجزِ ِ خافق قلبه  الراقد خلف أضلعه بسكينة غير مسبوقة و أمان ….. كم تمنى أن يسكنها قلبه ….. و قد فعل الآن …..

نهرت عجوزٌ حفنة الشباب الصاخبين بعد صمتهم القصير … مشيرة بعصاه نحوها …. إلتفتوا … صٌدوموا لرؤياها … ربما لم يدركوا ما شاهدوه أول مرة أو تستوعبه قلوبهم الغضة … كانت هكذا …. غافية كعصفور الجن على كنف ٍ … أو كأميرة مسحورة هاربة … أضناها جريان قلبها فتسللت إلى بيت أقزام , في غيابهم , هناك خلف غابة الفطر و جذوع الأشجار المجوفة حيث ترقد السناجب الحمراء بعد حصاد بلوط شجرة باسقة … فـغـفت كحلم ذات ليلة ممطرة …. كما السناجب …. 

ليت الحافلة لا تصل و سأغني لها لتنام حتى بزوغ  أول خيوط السحر …. قال محدثا ً نفسه , عابثا ً بشعرها المنساب على بحر لهفة ٍ بطعم الموج و رائحة الشجر  و شيء ٍ من ضباب … لا يشوبها شائبة من حذر , تابعت عيناه أنوار الشوارع من خلال زجاج علته طبقة رقيقة من ضباب أنفس مسكونة بجواره في الحافلة … , لكزته بلطف قائلة إلى أين ينظر البحار التائه ……. إبتسم و قال : ليس ببعيد … مجرد َ حورية مستلقية هناك على صخرة جزيرة مجهولة .. تلوح لي بذيلها السمــّـكي و جيد ٌ من بشر … قالها و هو يداعب عينيه بعد أن أغلقها بأطراف خصلات شعرها …..

 

s53slcompq7

 

قالت باسمة ً دون أن تفتح عينيها … لم أسمعك … هل بدأت تهذي و تعاني من دواري …. دوار البحر .. أم لفحك وهج  شمسي الحارقة .. بحــّرها  و سعيرها  .. فأفقدتك صوابك … الأرعن .

دنت شفتاه من أذنها اليسرى و أطبقت على شحمتها بلطف …  وخزه قرط أذنها الفضي اللامع , مدافعا ً عن صاحبته ببسالة … حتى كاد أن يدمى شفتيه …. رفع رأسه قليلا ً و أجابها …. كل ما ذكرت مجتمعا ً هو ما أعاني …. زمّ شفتيه … محاولا ً رد ألم الوخزة … 

ردت بإبتسامة ظفر على قلبه … و إسترخت .. كما طفل ٍ باك ٍ من جوع , فــلــقــف ثغره َ صدر أمه على حين غرة ….

غافل الطفل الذي يجلس في مقعد أمامها …. أمه التي أدارت لهم ظهرها … نظر إليها …. كأنها شعرت بعيون تحدق بها …. فتحت إحدى عينيها فجأة ……. هرب الطفل من شعاع عيناها .. فأنسل منخفضا ً دون مسند المقعد … لم تظهر منه سوى قمة قبعته الصفراء فاقع لونها …. أغمضت عيناها متحفزة … إرتفعت القبعة الصفراء .. و ظهر تحتها خصلة  شقراء أعقبها عينان صغيرتان لامعتان …. تباعدت أجفانها … كعدسة ألة تصوير ثمنية …. ضحك الطفل مجلجلا ً …. شدته والدته إليها زاجرة من مضايقة … جلوس الحافلة ..

 

575he1

 

كما قلت لكم ……. إنها ساحرة ……. لقد سحرته …… لم يركن في حضن أمه قيد أنملة ……. يرنو إليها متكأ على ساعديه الغضتين ….. مقاوما ً قبضة أمه الصارمة   بلا هوادة و لا إستسلام  ………

هكذا نحن …. كبيرنا و صغيرنا …….. عند تلاقي العيون .. تسقط أسلحتنا طوعا ً و حبا ً ….. لا كرها ً و لا خوفا ً و لا فزعا  ….

توقفت الحافلة ……….. نزل من نزل …… لا يهم ….. أنه واحد الذي صعد ……. متسول من مظهره , يحمل ألة كمان محجوزة بحقيبة جلدية بنية مهترئة …….. لابد أنها جولة تسوله الأخيرة قبل أن ينكفئ إلى حيث تقوده قدماه التعبتان ……… مد يده المبسوطة إليه يلتمس قطعة معدنية ….. أو بضع ْ ………. رأها شبه غافية على صدره و نصف عنقه …… أطبق أصابع يمناه و رد يده مغلولة إلى نحره .. و قبل أن يكرر جملة الإستجداء المعهودة …. إبتسم …….. تراجع …. جلس ….. أخرج الكمان من غمده …… عزف … نعم ببساطة و في الحافلة … و يحدث كثيرا ً …….. عندهم ….

برقت عيناه لامعة بنصر ٍ و أسى مدفون في غيهب الألم و الجراح …….. كان قد نسيها  تلك اللمعة ………. إنها المرة الأولى التي يعزف بأوتار قلبه   … لغيره  منذ زمن لم و لن يذكره أو يرغب بتذكره ….. لا يهمه لا درهم و لا دنيار  و لا سواه من ُفتات عملة ………… فقط يستمتع بمجالسة الأخيار هنا ……

 

violin92

 

عزف … و إرتفع صوت كمانه المبحوح بلذة و وقار……. إشتد حماسه … إشرئبت الأعناق إليه من خلف المقاعد ……. يا للحن الجميل … رددت الألسن و الكثير من الخوالج … و هكذا كل العيون …. محطة … مرت أو إثنتان لا أحد يذكر … لولا باب الحافلة العنيد ….

فاقت و إعتدلت …….. نظرت إليه بوهج عيناه ….. زادته إصرار على وتر و إصرار …. توقف و فقط عندما هــمّـت بالخروج مغادرة …. توقف …….. أخرجت قطعة ورقية من محفظتها الأنيقة … و وضعتها بين أوتار الكمان و شدت يد حبيبها و من الحافلة …… خرجت ….     للحديث بقية …… 

Advertisements

6 تعليقات على “غــفــوة .. على كتف ٍ و وتر

  1. ما بخفيك أنـّي شعرت ببعض الحنين بداخلي و أنا أقراها ..

    “كم تمنى أن يسكنها قلبه ….. و قد فعل الآن ….. ”

    تحياتي !

  2. انت تحرضنا على ارتكاب جناية الحب وهذه عقوبتها كبيرة عندنا في الرقة , كما تعرف .
    حتى الحب اصبح ماركة غربية.
    كم نحن بؤساء

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s