عـَصرا ً…… وعِطرها و حـّبات المطرْ


فتح باب المبنى الخارجي ذو الواجهة الزجاجية ….. فتلقف وجهه نسمات خريفية باردة ممزوجة برذاذ مطر ناعم .. أغمض عينيه ببطء رافعا ً رأسه نحو الأعلى بنشوة و سعادة غامرة كأنه خارج إلى حرية موعودة بعد طول إنتظار, فإستنشق بعمق حتى أقصى إتساع رئتيه بهواء المدينة البحري المنعش و المائل بإعتدال نحو البرودة …. لما لا فهو ابن بلد .. اليوم الماطر فيه يعادل ألف عيد و عيد … ممـّـا يــعـّدون

أحكم أغلاق سترته . و نزع نظارته … التي ستحجب عنه الرؤية بمؤامرتها الودية مع رذاذ المطر الناعم ….. تابع خطواته بهدوء و تؤدة ملتمسا ً خطواته بحذر ٍ و خفة … هو هكذا يستمتع بالمشي تحت المطر مأخوذا ً بألوان أوراق الأشجار ….. ذات اللون الأصفر المائل … للحمرة …. نصفها يغطي الرصيف المبلل بماء المطر و الآخر متأرجح على أمه الشجرة منتظرا ً نسمة شمالية تتطيح به … فيتهاوى متأرجحا ً بأناقة و بلعبة قدرية … لا تمنحها له الطبيعة إلا ّ مرة واحدة ….. كما الشمعة  و كما روح الإنسان  و كما حياة الفراشة … فقط مرة واحدة ..

8555.imgcache

من بعيد طفلة صغيرة لم تتجاوز الـثالثة من العمر … تمشى ببطء لكثرة ملابسها .. تجمع الوريقات الصفراء الجميلة بسعادة و أمها على بعد خطوات منها تراقبها و كأنها تستذكر طفولتها , عندما كانت في مثل سنها .. طارت الورقة قبل أن تمسكها تلك الأصابع الرقيقة … ركضت الطفلة خلفها , ضاحكة بصوت عال ٍ , حطت الورقة على الأرض … سارعت الفتاة إليها مرة أخرى بخطاها الصغيرة و حذائها الأحمر … طارت الورقة مازحة ً …. جرت خلفها الفتاة بمرح أكبر … ربما هناك لغة خاصة بين الأطفال و أوراق الشجر … كأن الورقة تلاعب الفتاة الصغيرة عوضا ً عن إبنتها الورقة التي سقطت قبلها و على جانب الرصيف …… يحدث نفسه مبتسما ً .

Rain_by_kathryna 1

لمحها من بعيد …. لقد خرج قبل الموعد بخمس دقائق …. دائما ً يخرج للقائها قبل خمس دقائق …. يميزها من البالطو الطويل الذي أهداها إياه ذات نسمة … أضافت إليه قبعة صوفية بحرية اللون تتقاطع مع لونه البيج  و تلتقى ببنطال من ذات ِ لونها  جاعلة منها مركب خشبي ببحر ألوانها……. إبتسمت شفتاه … خفق قلبه بشدة  … يقول لنفسه … يا لتأثير هذه الساحرة … يبدأ تأثيرها على المرء من مسافة النظر …. ما أن تقع عيناك عليها حتى يبدأ مفعول سحرها العطري على خوالجي .. آنيا ً … يا للقوة … يتحدث في سره .

إنه الجمعة عصرا ً … انتهى الدوام الجامعي … غدا ً هو السبت و يليه الأحد و كلاهما عطلة أسبوعية …. إتفقا على زيارة صديقه  حيث يسكن .. في الجهة الأخرى من المدينة ..

إعتادا مع بعض أبناء بلده التجمع عصر كل سبت , حتى حدود الليل ويعيدون الكــّرة صباح الأحد … حيث يتسكعون في أرجاء المدينة السحرية مكتشفين غموضها و جمالها  و جلالها…

بدأت تظهر رويدا ً .. رويدا ً … لمح قسمات وجهها الـّدري و شعرها الطويل  الذي تركته ينسدل من أسفل القبعة لتعبث به نسمات الخريف الشقية دون توقف …. وصل عطرها قبل خطوات من جسدها معلنا ً وصولها …. هو هكذا متعلق بصاحبته لا يبارحها …. ينشر حولها هالة من شذى عبق و طيب تحيط بها من كل حدب و صوب و جانب ….. شذى جامح لا يتحكم به سوى إتجاه الريح  المتمرد على كل قانون و فلسفة ….

وقفت قبل خطوتين و كأنها تعرض نفسها لــّرسام  ماهرأو شاعر غارق في قصيدة .. ترسم  إبتسامة صغيرة بشفاهها الندية , طغت حمرة خـفـية على وجنتيها  … شوقا ً و فرحا ً بلقاءه و بعضا ً من برد خريف مدينتها …..

BvI13378 - 1

إجتاحته رغبة جامحة بإنتزعها من جوف المدينة محلقا ً بها عاليا ً هناك خلف السرمد … فوق حبات المطر … لا يعود حتى تلامس أقدامه كتف القمر و أبعد … قاطعت رحلته الخيالية … بإلقائها بنفسها عليه … فأسرع يلف يديه حولها راسما ً قبلة صغيرة على وجنتيها …. أراد أكثر …. لم يسعفه حياءه …….. فلا زالت به طباع مشرقه البعيد القاسي الذي أضفى مسحة من حياء على مُحياه …… فأعاد الكــّرة مرتين على كل وجنة … وقفت على رؤوس أصابعها لتنال وجنته بقبلة ……. فوقعت شفاهها أسفل أذنه اليسرى … همست له … لقد لطختك بأحمر الشفاه ………. لا تتحرك سأمسحه … لك ْ . رد …. بسرعة قبل أن تشاهدني أمي ….. ضحكت … ضحكة طفولية … عانقت به الجو الماطر و أوراق الخريف المتساقطة عليهما من شجرة الكستناء التي توقفوا .. محتمين بها …. بإنتظار الحافلة … أخرجت منديلا ً قماشيا ً قرمزي اللون و مسحة أسفل أذنه بلطف و حرص أن لا تترك أثر … أعادته إلى جيبها بعد أن قامت بطــّيه عدة مرات بشكل أنيق …

ليس ببعيد جلست العجوز بائعة الورد … لفــت ّ جسدها الضخم بواق ٍ شفافا ً من المطر … قد غطــّـت ورودها و أزاهيرها الجميلة بواق ٍ شبيه بالذي ترتديه ….

لم تختر المكان صدفة … فهي تقبع أسفل نوافذ السكن الجامعي الذي يحمل الرقم ستة … منذ بناءه و لم تبارحه إلا ّ نادرا ً . كانت جزء من تضاريس الشارع الذي لا يتجزأ … لقد إعتادها الجميع هنا .. بل أصبحت تحفظ أسماء الكثير من الطلبة و ذوق فتياتهم , و لا تترد بتقديم رأيها مجانا ً حول الورود و حاملها و هاديها و متلقيها …. يتقبلونه  جميعا ً بمرح ٍ دائما ً . فتيان قدموا من أصقاع الأرض المختلفة طلبا ً للعلم و الحب و الجمال و لأجل ورودها …. عشقوا حوريات المدينة , و عشقوا ورود العجوز و أزهارها لأجلهن .. و فقط لأجلهن …

Rain couple reflection Bergen DSC_0069

من خلف العجوز و إلى الأعلى قليلا ً تنبعث موسيقى هادئة … تعـّـبر عن حال واضعها … فتتطايرت نغمات شاردة ممزوجة بنسمات الخريف و حبات المطر الناعم لتداعب أذنـيّها  الناعمة المدمنة عزفا ً و لحنا ً و رهافة …  فأخذت تتمايل معها بغنج و دلع ….. ممسكة بيده و معلقة بتلابيب فؤاده …. جلبها من خاصرتها نحوه بلطف…. فأشعرها بثقة أكبر … فزادت حركتها حدة و تمايل َ ….. إزدادت حبات المطر غزارة , فسحبته بهدوء و بنفس حركتها الراقصة بإتجاه شجرة الكستناء الضخمة الرابضة على بعد خطوات من موقف الحافلة .

بين الحين و الآخر تتساقط بضع وريقات منها على كتفيه و رأسه  و تارة بينهما بلا إستئذان و لا وجـّـل… فتبعدها بيدها أو بنفخة سحرية من شفاهها السحرية لا محالة  و رموش عينيها … و حتى دون أن تنظر إليها … كأنها تتنبأ موقع سقوطها …

كما قلت إنها ساحرة تستشعر الشيء بماورائيته الغامضة … , سقطت ورقة صفراء محمرة على قبعتها .. لم يزلها … نظرت إليه ….. متوسلتا ً إزالتها بدلال و شيء من غنج مُباح ….. قــّـبلها من مـّـقدم أنفها بهدوء …. و همس … هكذا أجمل أصبحت ِ برتبة جنرال في الجمال و الأناقة .

تأخرت الحافلة و كما العادة في مثل هذا الوقت من يوم الجمعة .. فبدأت العتمة تتسلل رويدا ً على أكناف المدينة الهادئة التي تستعد لــليلة عشاق تنتهي بأنفاس الصباح الباكر . بدأت أنوار المحال التجارية بالتوهج عشوائيا ً و كذا الأنوار من نوافذ الأبنية المحيطة  و المطلة على الشارع …. بين الحين و الآخر تلمع أضواء السيارات المارة بسرعة فتنعكس على جبينها فتزيدها تألقا ً .. فوق تألق .

تابعت تمايلها مع نغمات ( الفالس ) الصادرة من النافذة المجاورة غير بعيد عن قلوبهم … قالت له .. أتذكر عندما حاولت أن أعلمك الـ فالس … أجابها نعم بالتأكيد … تابع باسما ً … وقتها قلتي لي … تملك أقوى ذراعين و أثقل قدمين … سكت مبتسما ً … تابعت هي : و قلت لك ستكون أفضل سائق جرار زراعي في العالم ….. ضحكت بقوة و ضمت نفسها إليه …  تابعت .. لكثرة ما دست على قدمي ….. أنك متشنج دوما ً … لا يعرف جسدك الإستراخاء …. يا سائق الجرار …

878092694

أنت ِ مدرســّة سيئة ؟؟ قال لها … لم تستطيعي تعليمي الرقص … بينما استطعت تعليمك الـ ( جـّـزمـّـز ) أعادت خلفه تكرار لفظة الـ ( جز مز)  محاولة النيل من لحن الكلمة كما ينطقها .. بلا طائل …. لا تحاولي يا صغيرتي إنها لهجة سائقي الجرارات … يقول لها و هو غارق بعطرها …

بالمناسبة أبي ُمعجب بك كثيرا ً …. تتابع بعد دفنت رأسها تحت إبطه … يقول انك بارعٌ …. جدا ً …. قالت له ..

بالطبخ ْ ؟؟!! … تساءل َ مبتسما ً ….

لا … ردت بمكــّـرْ ….. يقول انك استطعت أن تجعلني أحبك , طرقت باب قلبي و دخلت قبل أن يٌفتح لك باب …… كان يقول لي دوما ً , ستجدين ألف ألف شاب يحبك و ربما أكثر ….. و لكنني أعرفك منذ نعومة أظافرك ِ يا صغيرتي .. ليس من السهل أن تجدي من تحبيه … يجب أن يكون مميزا ً جدا ً …….. و محظوظا ً جدا ً و بــّحــار جــّسـور جدا ً…. أفهمت ِ يا طفلتي الشـّــقية ….

يتابع هو … و سائق جرار جدا ً جدا ً…..

وصـــلــت الـــحـافـــــلـــة …….. لـلــّحـديـث بـقــيـّـة

Advertisements

10 تعليقات على “عـَصرا ً…… وعِطرها و حـّبات المطرْ

  1. شوي شوي علينا أبو خالد!!!!!

    سرد ممتع و جميل… و دافئ جداً. ينتشلنا من بعض لسعات البرد الذي بدأ يغزونا كطليعة لشتاءٍ طويل.. جعلتنا ننتظر الحافلة و ربما ننتظر حلماً, أو ذكرى, أو مستقبلاً.. أو كلها مجتمعةً في دوامةً من عاطفة تجول القلب من الأذين إلى البطين…

    و كما انتظرنا الحافلة… نجلس و ننتظر البقيّة

    تحياتي

  2. سوف تصل الحافلة و سيركبان فيها لكن سرعان ما تغادر أحلامهم عند أول أو ثاني محطة…. هكذا هي دوماً قصص العشاق …. للأسف

    بانتظار خاتمة وردية يطول الوقوف
    تقبل تحيتي

    رزان

  3. رزان : هذه هي الحياة نهرب من واقعها المضني .. بإختراع حافلات ننتظرها و نعلم سلفا ً بأنها لن تأتي … ربما تأتي لا أعلم .. شكرا ً للتعقيب

  4. سرقت انفاسه بخطوات تتجه صوب حافلة حمراء استعارت حمرتها من لون ثورانه الغاضب لرحيلها
    تتبع رائحة عطرها عائدا الى الوراء حيث كانت الشجرة تسجل تفاصيل لقائهما
    وقف قرب الشجرة قليلا وانهال عليها بأسئلة لم تملك امامها الا الصمت …
    سرعان مااادرك فيض جنونه .. ودع مساؤه المضطرب وغادر المنتزه بصمت غلف اكوام الضجيج بداخله

    سأسعد ان سمعت منك مايهلمني للتتمة …

    تحية قلم مجهول الى اخر يماثله …..

    • قلمي مكسورٌ على عتبة الوطن .. عسى أن يهطل علينا المطر … و تبدأقصة حبٌ جديدة و أمل … وداً و عذراً للتأخير فلا حبٌ و لا عشقٌ ختى يشفى الوطن

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s