ذات صباح …. نحو الشروق


 رن جرس المنبه معلنا ً تمام السابعة صباحا ً,  كما جرت العادة كل صباح  لم ينهض من سريره مباشرة بل جالت عيناه في أنحاء الغرفة بحثا ً عن اللا شيء الذي أضاعه يوم ترك فراته وحيدا ً و غادر صوب الغروب .. لا حاجـّـا ً و لا معتمرا …

قاطعه صوت المنبه مرة أخرى قبل عـثوره علــى اللاشيء المتواري في ردهة اللامكان خلف زوايا الذكريات , مد يده بحركة آلية مصمتا ً المنبه بنزق  بلا رأفة و كأنه نادل عنيد في مطعم باريسي أنيق يقاطع وصال حبيب  لمحبوبته منتصف سهرة عشق على ضوء شموع ….  

حانت منه إلتفاتة حيث تجول يده باحثة عن المنبه فوقعت عيناه على صورة والدته المركونة على منضدة صغيرة بجوار سريريه … إلتقت عيناه بعينيّ والدته … َخيّـل إليه أنها قالت له صباح الخير … رد و هو يتمــّـطى : صباح العسل لأحلى أم بالعالم , ربما تظنوني قد بدأت أتخيل و … لكن والدتي ردت بإبتسامة من خلال الصورة صدقـــّــوا أو لا تصدقوا !!!! هكذا خاطب صمت الغرفة بحدة .

أزاح غطاء السرير العنـــّــابي عن جسده , نهض متثاقلا ً يجر أشلاء جسده بكسل نحو المطبخ بحركة إيقاعية كادت أن تكون شبه يومية , قبل أن يغادر باب غرفته عبثت أصابعه بألة التسجيل الضخمة الراقدة بصمت .. فأنبعث صوت ماجدة الرومي [ عمّ يسئلوني عليك الناس … الـ كانوا يشوفونا سوا … ] ليعلن مولد صباح يوم جديد .

سارع بوضع ( ركوة ) القهوة على النار ,  تابع متجها ً نحو صنبور الماء .. أداره و ألقى برأسه أسفل الماء البارد المتدفق بحنان على خصلات شعره المنسدل أمام عينيه و نحو الأسفل و خلف أذنيه , فشعر ببرودة الماء تسري بشرايينه نزولا ً نحو أطرافه السفلى .

رفع رأسه بنشاط و دون أن يجففه …. أصلا ً لم يَحضر المنشفة , فبدأت قطرات ماء الصباح تتساقط على أكتافه و صدره تلقاها بكل رحابة , أنسلت بضع قطيرات باردة  خلسة متزحلقة على ظهره العاري فأنتفض كمن مسه تيار كهربائي مجنون …

أزّت ركوة القهوة معلنة ً بدأ غليان الماء … وضع ُحبيبات البن و قليل من سكر و أعادها فوق النار ,  إتجه نحو شباك المطبخ , حيث إعتاد الجلوس منتظرا ً غليان قهوته .

Window-opened-lrge-_From_Mystic_Maiden 2

إجتاز نظره زجاج النافذة نحو فضاء المدينة الرحب , حيث يلتقى اللون الأخضر الغالب على هذه المدينة الأوربية بقرميد بناءها المائل للحمرة .. فيجتمعان بصورة فريدة لينطلقا  معانقين لون السماء الأزرق .. فتتشكل لوحة لا يتقنها إلاّ خالق عظيم و هو الله .

إبتسم عندما تـّـذكر جارته العجوز التي جاءته في إحدى المرات متسائلة عن مصدر هذه الرائحة العبقة , صباح كل يوم , فشرح لها بأنها قهوة على الطريقة العربية و هذا البن ترسله له والدته كل فترة بشكل منتظم , تابع يشرح لجارته العجوز عن كيفية إعدادها و …… يتوقف عن الكلام بعد أن يلمح دمعات حارة تطرق مقلة هذه العجوز …. الوحيدة بعد تركها أولادها و تفرغوا لعوائلهم …. سئلها ذات مرة عن سبب تلك الدمعات الخفية ….. فردت بأنها لم تعـّــلم أولادها إعداد القهوة … على الأقل حتى يتذكروها و بعكس والدتك …. ستشم رائحتها و تتذكرها كل صباح ….. تردد و هي تغادر شبه باكية .. أنه خطئي أنا … أنه خطئي … أنا .  

عادت به الذاكرة يوم كان صغيرا ً , و كيف كان يستيقظ كل صباح على تلك الرائحة مغموسة بهمهمات والده , و ضحكات أمه الرنانة الصادرة من باحة المنزل حيث إعتادا الجلوس صباحا ً تحيط بهما رائحة الجوري و الريحان و الفل و الياسمين …. لقد زرعت والدتي تلك الشجيرات بكل صفحية زيت أو سمن تفرغ من محتواها …. فتشكلت لوحة سريالية ضخمة مؤلفة من أزهار و ورود سوريا و علامات الزيوت و السمون العربية و الأجنبية ….. هكذا كل الأمهات في سوريا وطن الياسمين … لا ترمي شيء و كله سيلزم ذات يوم …

كل صباح يجلس والديه .. يتهامسان و كأنهما مراهقان فــّرا  من مدرستهما ليلتقيان بين الحقول ,  أو عروسان في شهر عسلهما , و الذي إستمر و لا يزال أكثر من ثلاثين عاما …

من غرفة شقيقته الكبرى فاطمة .. ينبعث صوت فيروز عبر المذياع الذي لا ينطفئ طالما فاطمة متواجدة في المنزل , بل يكفي أن تسمع صوت المذياع حتى تعرف أن فاطمة في المنزل . أصبح صوت مذياع فاطمة من طقوس بيت أهله , الذي يتجلى بوضوح عند كل صباح على وقع صوت فيروز . لا ينافسه سوى مذياع والدي الخشبي القديم و (( هنا لندن )) بموسيقاها المميزة و التي تسبق نشرات الأخبار … و صوت المذيع الأجش …. [[ أسعد الله صباحكم …. إليكم نشرة الأخبار من هيئة الأذاعة البريطانية يقرؤها عليكم ……. ]] لقد نسيت اسم مقدم النشرة … يهمهم و هو يرتشف قهوته . ……

كان يتسائل في سره عمــّا يتحدوثون هؤلاء ( الشيــّاب ) من الصباح الباكر , لم يكن يبالي وقتها كثيرا ً بإحاديث والديه كل صباح , إذ كانت تستهويه رائحة الجبن المغلي و الشاي ممزوجة برائحة الخبز الطازج الذي يحضره والده صباحا ً عقب خروجه من مسجد الحّي فجرا ً, فيركض إلى المطبخ لا يلوي على شيء .

قبل أن يبدأ بـ عفــّرتـته الصباحية تـنهره فاطمة …. تأمره بالجلوس ريثما تـــكمل إعداد مائدة الإفطار . و يجب عليه .. تقول فاطمة بنبرة حادة موجهة الكلام له : بأن ينتظر إكتمال عقد أشقائه اللؤلؤي حول مائدتها إلتي اعدتها بنفسها و لا تسمح لأحد بخرق نظام مملكتها الصغيرة دون موافقتها , إنها خطواتها الأولى نحو الأمومة , تأبى فاطمة إلاّ أن تمارسها بحذافيرها .

إنها أسؤ لحظات عمره .. و هي اللحظات الواقعة بين إنبعاث عبق الجبن المغلي و الشاي و الخبز الطازج .. و إنتظام حلقة إخوته حول مائدة الإفطار .

فــُرجت أخيرا ً …… جاءت صينية الفطور الواسعة , وضعتها فاطمة وسط الغرفة , وغادرت مسرعة لـ تكــوي بزتـّـها  المدرسية كما كل يوم , حتى أنه ضبطها عدة مرات و هي تكوي بزتــّها دون أن تدرك أن اليوم هو الجمعة ؟؟؟ فيخبرها بخبث : أنه يوم الجمعة يا فاطمة و يطلق ساقيه للريح !!!! , فــتــُصدم المسكينة فترمي ما بيدها بعنف و تعود لتكمل نومها و هي تتمتم بكلمات مبهمة غير مفهومة .

تبدأ مخاطبة نفسها في طريقها لإكمال أعمال البيت اليومية و قبل ذهابها إلى المدرسة : كم أكره كــّوني فتاة ؟؟! ليتني ُخلقت ولد .. هكذا لا أقوم بتحضير الفطور , أكره الفطور و خاصة مربى الكرز … تصمت , بل و مربى المشمش و السفرجل و الزيت و الزعتر .. أكرهها جميعها .. و خاصة عندما تعلق بثياب أشقائي الصغار ….. فاأنا بالنهاية من يقوم بتنظيفها .

1126396032

تتجه صوب مرآتها لتمــّشط شعرها , و ما أن ترى شعرها البنــّي منسدل على كتفيها بحنان متجها ً نحو خاصرتها , و ملامح وجهها الغضة و عيناها الواسعتان الراقدة أسفل أهدابها بحذر و يقظة , حتى تشعر بفِخار كونها أنثى , و تتلاشى نقمتها على بنات جنسها مع وصول مشطها أول أطراف شعرها نزولا .

تدخل نور شقيقتها الصغرى و بذات التوقيت من كل يوم , طلبا ً للمساعدة , تنظر فاطمة إليها فتراها واقفة بعيونها الواسعة و اللامعة متوسلة إياها ,  تشـّـدها بيدها الصغيرة من أطراف فستانها , حاملة ً شرائطها الحمراء بيدها الأخرى لتضعها على رأسئها , تحملها فاطمة بحنان و ُتجلسها على طاولة مجاورة و تقوم بشد أزرار ثوبها المدرسي ,  تمــّشط لها شعرها و تضع شرائطها الحمراء بعناية و رقة . هنا تقول فاطمة لنفسها , الحمد لله الذي لم يخلقني شاب , و إلا ّ كيف سوف أساعد هذه الضفدعة الصغيرة والتي إسمها نور و التي هي آخر عنقودنا !!! .

لا تغادر فاطمة بيت أهلها نحو مدرستها إلاّ هي و شقيقتها نور بكامل إناقتهن الرسمية , غالبا ً تشعر بالفخر عندما تتابعها نظرات المارة و شقيقتها , بل تشعر بتدفق الدم بوجهها حتى يكاد يحـــّمر من شدة الفخر و الإعتزاز بالنفس .. يا لهذا الثنائي الجميل … يقول عجوز يملك حانوت بآخر الشارع مخاطبا ً نفسه .

bvn bh

إنتصب  واقفا ً و إتجه صوب القهوة , أطفأ النار … و حمل الركوة الساخنة و معها فنجان أحضره خصيصا ً من الوطن .. حيث لا ُتـستخدم هكذا فناجين في هذه البلاد , و لا قهوة كـــقهوة والدته . إستبدلوها بفنجان الـ ( نسكافيه ) الكبير ..

وضع الركوة على مسند النافذة و على يسار الركوة إستقر فنجانه المحبب بإنتظار حمله بدلال صعودا ً بإتجاه شفاه صاحبه المخلص له أبدا .

جلس لثواني و إنتفض واقفا ً كمن لسعته أفعى … هناك شيء ينقص هذا الطقس الصباحي … ضحك بصوة عالٍ و قال ( ما بدها ) علبة السجائر … ركض نحو غرفة النوم حيث تستلقي علبة السجائر بجانب صورة والدته , نظر إلى صورة أمه مبتسما ً و بحركة مضحكة قام بإخفاء علبة السجائر خلف ظهره .. حتى لا تراه ( صورة ) والدته , فتخرج من إطار الصورة و تشده من أذنيه …  عاد إلى نافذته الموعودة .

في هذه اللحظة بدأت الشمس بالظهور من خلف الأبنية الضخمة و أشجار المدينة الباسقة , و كأنها موكب ملكي يتقدم من عامة الشعب لتبريكهم و المسح على رؤوسهم .

شعر بدفئ الشمس يلامس خديه .. فإستسلم لها مغمض العينين .. كعاشق ولــِهْ إستسلم ليد معشوقته و هي تداعب وجهه بعذوبة و حنان .

بحث عن فنجان القهوة بيديه و هو مغمض العينين …. لا يريد مبارحة هذه اللحظات الحالمة .. تعــثــّرت به أصابعه .. تناوله برفق , وهو مغمض العينين و إرتشف الرشفة الأولى ……. أحس برعشة خفيفة تجتاح كيانه …… حتى آخر مسام جسده .

فتح عيناه و كانت الشمس قد إكتملت , قال : صباح الخير … مخاطبا ً الشمس … تابع قائلا ً… مابالك كــصورة أمي المركونة بجوار سريري … تردون بإبتسامة … قولوا : صباح النور … يا ولد .

BIMBO ALLA FINESTRA - 17,5 X 25_jpg 2

أعاد ظهره إلى الخلف , و قال محدثا ً نفسه , أمي كالشمس … لا .. لا .. بل الشمس كأمي …. يستيقظن صباحا ً و كل يوم بنفس التوقيت , يتجولن كلا ً بمنزلها …. أمي بمنزلنا و الشمس … بحسبان حتى مستقرها … و مساءا ً يعدن لمهجعهن .. خائرات القوى … من أعمال المنزل وأشقائي الـــ سبعة , و الشمس بسكان الأرض و ملياراتهم السبع . …. ( يا الله ) قال لنفسه , بالنسبة لأمي أنا و أشقائي نعادل سكان الصين , شقاوة وعبثا ً .

وقعت عيناه على الساعة المعلقة على جدار المطبخ …. حان وقت الذهاب , لا أريد ان أتاخر عن عملي , إرتشف ما تبقى بفنجان قهوته دفعة واحدة , و وضعه بهدوء و قال مخاطب الفنجان … لا تتحرك من مكانك سأعود عصرا ً ………..

Advertisements

12 تعليقات على “ذات صباح …. نحو الشروق

  1. الذكريات الجميلة تبقى في ذاكرة قلب الزمن .. والضحكات الرنانة تطفي على ما تبقى من الزمن عبق السحر، الممزوج برائحة القهوة العربية في الشرفة، لكن الزمن في يوم ما لابد له أن يوقظنا لنخرج من ذاكرة الزمن بهدوء وننساب في حياتنا المليئة بالصخب.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s