لا توقظيني …. يا أمي


كان يوم أربعاء عادي … غادر المبنى الذي يعمل به على عجالة … لقد أمضى الليل بطوله ساهرا ً و ها قد إقتربت الساعة من الرابعة بعد الظهر … أشار لأول سيارة رأئها مقبلة حيث فتح الباب الخلفي ما أن توقفت . رمى بنفسه على مقعدها بكل ثقله …. أملى عنوان سكنه للسائق و هو مغمض العينين و قد ألقى برأسه للخلف على مسند المقعد الخلفي , بالكاد يملك القدرة على تحريك جفونه … وقتها .

دخل المنزل .. توجه إلى المطبخ حيث فتح باب الثلاجة و تناول زجاجة ماء بارد و تابع بإتجاه أريكته المفضلة … ترك جسده يتهاوى على الأريكة , ألصق زجاجة الماء بجبينه المتقد مستأنسا ً ببرودتها …… و بحركة آلية تناول جهاز التحكم و ضغط زر تشغيل جهاز التلفزيون … حيث كانت قناة من خلف المتوسط تبث برامجها ذات النكهة الواحدة منذ ثلاثين عاما و تزيد … يترقب أخبار الوطن كل اليوم …. عسى أن يسمع شيء يفرحه و يســّر قلبه .. أي شيء …. حتى و لو كان خبر عن إتفاق بلده مع بلاد الواق الواق … حول التبادل الثقافي و تطوير المتاحف هناك , و تصنيع المكرونة حتى ؟؟! .

1602258408_0d0b37c80f

لاحظ و لأول مرة بأن التلفاز يقع خلف قدميه تماما ً قال لنفسه لو دارت به الغرفة تسعون درجة , كما يفعل رواد (( ناسا )) عندما يهربون من جاذبية الأرض , لكنت واقف على شاشة التلفاز .. أطبق قدميه … حجبت الشاشة … أبعدهما ببطء … شاهد الأحداث التي تدور داخل الشاشة …. أعجبه الأمر … فأخذ يباعد قدميه و يقربهما أمام التلفاز …. قال لنفسه … و هو يحاول أن يتذكر اسم العالم الذي سقطت التفاحة على رأسه و إكتشف قانون الجاذبية لكن ذاكرته خانته … إختلط عليه الأمر بين نيوتن و أرخميدس و إينشتاين و أديسون .. فقط تذكر الجملة الشهيرة : أوريكا .. أوريكا …. تابع محدث نفسه … لو كنت واقفا ً بهذه الوضعية … سأقع على شاشة التلفاز و سنقع معا ً على زجاج النافذة المنتصب خلف التلفزيون و سأسقط على سيارة جاري الـ أوبل الحمراء مع هذا التلفزيون العجوز ….. سنحطم السيارة شر تحطيم , و إذا لم أمت من السقطة …. سيقتلني جاري … كونه يحب سيارته أكثر من زوجته … هو أسـّـر لي ذلك ذات يوم .

عاد لشاشته بتثاقل . و شاهد إحتفال حاشد في إحدى القرى الواقعة خلف المتوسط , مجموعة من الرجال بلباس شديد الأناقة يتخللهم اثنان باللباس العسكري بالكاد يتحركون و قد رسموا على وجوههم من العبوس ما يكفي نصف سكان مدينة , زادتهم النظارات السوداء قتامة و عبوسا ً فأصبحوا أقرب للأموات منهم للأحياء …. و قد تزينت صدروهم بمجموعة كبيرة من النياشين و الأوسمة … ردد كلام أبيه .. كيف حزتم على كل تلك الأوسمة .. إذ لم نخض حربا ً منذ ثلاثين عاما ً أو أكثر ؟؟ من خلفهم ظهر رجال القرية بلباسهم الملون بغير تناسق كمعظم سكان الأرياف و الرث البالي من عوامل الزمن و القحط و الجدب ….. و قرارات الوزراء و المدراء العامون .

تجمع أولئك الرجال يخالطهم الأطفال بأسمالهم البالية و التي كشفت أكثر مما سترت , مارس الأطفال عبثهم و شقاوتهم المفرطة و الأزلية عندما يتجمع إثنان منهم و أكثر … و خاصة بالمناسبات التي تلهي أبائهم و سكان القرية عنهم …

انقسم الرجال بين فضولي لرؤية رجال ببزات نظيفة و بين مــّجبر من رب عمله ليظهر للمسؤولين ولاء أهل القرية و حبها للضيوف القادمين من المدينة … إتفقوا جميعا ً بما فيهم المختار بأن يلوحوا بأيديهم للكاميرا عند مصافحتها لوجوههم الكالحة من عوامل التعرية البشرية و سوء التغذية ..

ضحك عندما تذكر صديقه جمعة العليص , ابن إحدى تلك القرى عندما أخبره بأن أهل قريته يفرحون كثيرا ً لقدوم مسؤول لقريته … يتابع جمعة إنها فرصتهم الوحيدة لرؤية غيرهم .. و أكثرهم فرحا ً سيكون أبو حمدوش , نعم أبو حمدوش الذي يحب جمع الحجارة الفاخرة التي يضعونها بالمناسبات الوطنية … و التي سيقلعها أبو حمدوش في يوم التالي و يضعها على يمين باب بيته بجوار التي سبقنها من الحجارة حيث يجلس يلعب المنقلة عصر كل يوم مع جدعان الساير و أبو جاسم ….

يقول جمعة أصبح لدى أبو حمدوش أكثر من خمس قطع من الحجارة و لم يرتفع في القرية أي بناء ؟؟؟؟ ربما لأن أبو حمدوش نزع تلك الحجارة ……. التي تدل على مشاريعم , فنسوا أين يبنون ما قرروا بناءه ؟؟؟ ربما

أغمض عيناه و شاهد (( صوفي )) … تلك السمراء الرشيقة , تذكر عندما إلتقى بها أول مرة على مدرج الجامعة و قد كانت تمشى بسرعة كبيرة فإصطدمت به و تناثرت كتبها في كل مكان .. فسارع للإعتذار علما ً أنها من إصطدم به …. وقفت مشدوهة …. و كأنها خرساء … تذكر أنه إعتذر بالعربية .. فأعاد إعتذاره بلغة البلد .. فضحكت عندها (( صوفي )) و قالت … لست أول من يعتقد أني عربية … تقول أمي بأن جدي من أصول شرق متوسطية … و قد أعطاني هذه البشرة الرائعة .. أتباهى بها أمام بنات الشمال الأوربي الشقروات ……. تابعت قائلة …. هكذا لا أدفع مقابل الحصول على سمرة مؤقتة …

62idc94

عفوا ً .. اسمي (( صوفي )) قالت له … أدرس هنا في السنة الثانية , و أعتذر لطريقة مشيّ هذه .. ربما أخذت حرارة الدم و الرعونة منكم أنتم المشرقيين …… بقي فاغرا ً فاه لجرأة هذه الفتاة التي هبطت عليه من السماء … قال لها أنا …. من خلف المتوسط … بقي مشدوها ً و كأن الجن قد أمسكت به من زمام رأسه بإتجاه ((صوفي )) … لم تكن تمشي هذه الجنية على الأرض .. قال مخاطبا ً نفسه .. تحت هذه التنورة الغجرية الفضفاضة يرتاح جسد مسحور غير مبال ْ ..

توقفت (( صوفي )) .. ناولته حزمة الكتب التي تحملها دون إستئذان …. ليحملها عنها , أمسكها بلا وعي … خلعت نعليها و حملتهما خلف كتفها الأيمن بعد أن ألقت بيدها على كتفها بنزق … هكذا و دون مبالات تابعت السير حافية على الرصيف المقابل لمبنى الجامعة وسط نظرات الطلبة الحائرة و الذي صدف أنهم تواجدوا … تابعت سيرها كفرس جامح من تلك التي تظهر في أفلام الغرب الأمريكي , أو التي يجري خلفها فرسان الـ مارلبور كما يسمى الذي يظهرون في دعاية لفافات التبغ تلك .. تتابع خيلائها و كأنها في وسط صحراء لا أنس و لا جن بها …… و لا حتى حجر

w6w_200506032331253e5cb77f5

من يومها .. يلتقيان كل يوم … يشربان القهوة يتبادلان الأحاديث المرحة .. يسخران من المدرسين ,  تقلد مدرسّــة الأحصاء بحركات مضحكة .. تلك العجوز ذات الشعر الأزرق كما تسميها و التي تكرهها جدا ً فيضحك الإثنان , يقدم لها بعض النصائح كونه يسبقها بسنتين … تقوم بتصحيح لفظه لبعض الكلمات .. و تطلب منه أن يعيد الكلمة حتى تشعر أنه توصل للنطق السليم … ثم يفترقان على أمل اللقاء غدا ً … ذات يوم لم تحضر .. إتصل بها عدة مرات دون جواب … زاد قلقه .. بحث عن (( سيسليا )) صديقتها المفضلة , و جدها في كافتريا الجامعة مع عدة فتيات أخريات .. أشار لها من بعيد أن تأتي … حضرت (( سيسليا )) … سئلها عن (( صوفي )) … فقالت له بأن أمها مرضت فجأة .. و سافرت إلى الجنوب لتطمئن على والدتها .. مر شهر و لم تحضر (( صوفي )) ……… و فجأة دخلت (( صوفي )) إلى غرفته حيث يستلقي على أريكته المتهالكة من كثرة ما ألقى بثقله عليها …… وقف متعلثماً إختلطت في وجدانه مشاعر الدهشة و السعادة و الوله … إنتصب كجندي صارم أمامها …… و إحتضنها بقوة حتى كاد أن يطبق أضلاعها بصدره حتى تندمج برئتيه, أراد أن يدخلها في قلبه بقوة حتى لا تخرج منه أبدا ً…… أنه يسمع دقات قلبها المتسارعة ….. لن أتركك مرة أخرى يا (( صوفي )) .. لن أترك ما دمت حيا ً ….

شاب-حزين-على-الساحل

شعر بيد تهز كتفه … برفق … فتح عينيه و إذ بوالدته تهزه برفق …… إخلع حذائك يا بني .. كم مرة أخبرتك بأن لا تستلقي على الأريكة بحذاءك ؟؟؟

تلفت حواليه يبحث عن (( صوفي )) لم يجدها ………. و قال :

ليتك لم توقظيني يا أمي …………… هاقد فقدت (( صوفي )) مرة أخرى ………… و هيهات أن تعود

Advertisements

8 تعليقات على “لا توقظيني …. يا أمي

  1. همممم , بداية ً خليني قلك ” ليتك لم توقظني و تنهي القصة ” ..
    أمـّا بعد فأنا واثقة بأنو صوفي سـتعود .. بالحلم باليقظة بالحقيقة بالخيال بالأمل مابعرف لكن ستعود لأنو ما معقول ينتظر شي حلو هالقد و ما يرجع إلا اذا بطل ينتظره ..

    رائع فعلا ً بانتظار المزيد من العبث 🙂 ..
    تحياتي

  2. رائعة أبو خالد.. تدوينة وراء تدوينة تزيد المدوّنة تألقاً و تميّزاً.. أشكرك على هذه الكتابات الراقية الجميلة.

    و يبقى السؤال مفتوحاً.. هل ستعود صوفي؟ و هل ستكون عودة صوفي حلاً أم أن بقاءها ذكرى جميلة سيكون الأحسن؟

    تحية

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s